يتم التشغيل بواسطة Blogger.

بحث هذه المدونة الإلكترونية

أرشيف المدونة الإلكترونية

الانفصال الهادئ

الانفصال الهاديء



تصادقنا ثم تحاببنا فتزوجنا‏,‏ وأنضجت عشرة الأربعة عشر عاما حبنا فصار عميقا بليغا‏..‏ لكنه منذ لحظة ميلاد ابننا الأول تفجرت خلافاتنا واستمرت ثم تعاظمت مع ميلاد صغيرتنا
هي عجيبة الطباع‏,‏ فما طلبت منها شيئا إلا ووافقتني عليه ثم فعلت عكسه تماما‏,‏ تفطم ابننا فجأة ودون أي مبرر في شهره السادس‏,‏ فيصبح نزيلا شبه دائم في المستشفي للتغذي بالمحاليل وعلاجات سوء التغذية‏,‏ تتسبب له مرتين في كسر بعظم الفخذ وهو بعد في عامه الأول‏,‏ تنام ملء جفنيها وأحد أطفالنا يعاني الحمي‏,‏ لا تبالي بتصحيح أخطاء نطق أي من الطفلين فكبرا يعانيان عيوب النطق‏,‏ لازمت النزلة الشعبية أحدهما لمدة سبع سنوات بسبب إهمالها المستمر لتجفيف جسمه وتعريضه مباشرة لهواء أجهزة التكييف‏,‏ والغريب أنها لم تكن لديها أي اهتمامات أخري فهي لا تعمل وليس لها هوايات ولا تقرأ من الجريدة سوي صفحة الوفيات والحظ وعناوين الحوادث‏,‏ ولا تهتم كثيرا بملبسها أو الموضة مثلا‏,‏ تقول شيئا وتفعل غيره‏,‏ نتفق علي أمر وتأتي بنقيضه‏..‏ وغير ذلك ما لا حصر له من الأفعال غير المعقولة‏,‏ غير المفهومة‏..‏ وفي كل مرة كنت أسأل زوجتي عن شيء من تصرفاتها كنت لا أحصل منها إلا علي إجابة واحدة تزيدني حيرة فوق حيرة ـ وهي لا أعرف لماذا فعلت ذلك مع وعد جديد بعدم التكرار‏...‏ ثم يكون التكراروالتكرار والتكرار‏.‏
كنت في باديء الأمر أتحاور معها في هدوء‏,‏ ثم صرت أرفع صوتي‏,‏ ثم تماديت فكنت أخاصمها ليوم أو يومين ولا فائدة ثم تحرك لساني بالسباب ويدي بالضرب بعد أن بلغت قمم الغليان والغيظ ووصلت ـ أو كدت أصل الي الانهيار‏,‏ أصبت بمرض السكر وارتفاع ضغط الدم وأصبحت شديد العصبية والتوتر وسريع الانفعال‏..‏ قاطعتها مقاطعة تامة‏,‏ وانتهيت الي هجر الفراش لمدد وصلت الي سنة كاملة وهي كجلمود صخر‏..‏ لا تتغير‏!‏
أنا مهندس معماري أعمل بالتصميم‏,‏ عملي يتطلب التركيز الكامل‏,‏ فمفتاح النجاح والاستمرار فيه هو دوام الخلق وإفراز الابتكار الجميل‏..‏ وكما هو الحال مع أي فنان‏,‏ تنعكس حالته النفسية ومناخه الأسري علي أعماله‏,‏ فتدهور عملي من سييء لأسوأ حتي توقف تماما‏.‏
لم يكن هناك حل إلا الانفصال‏,‏ وتم ذلك مع قدر لا بأس به من السلام والتحضر والآن‏,‏ تأتي زوجتي لزيارتنا مرة كل شهر فتثني ـ لا تتعجب لذلك علي حال الأولاد بعد انفصالها عنهم وتؤكد لي استمرار حبها لي‏,‏ وأؤكد أنا استمرار حبي لها وإنها ـ ربما للمرة الوحيدة طوال حياتنا الزوجية ـ قد أفلحت في تنفيذ مااتفقنا عليه‏!‏
أعيش الآن مع الطفلين‏,‏ أقوم بأعمال ربة البيت بكفاءة بعد أن تعلمتها علي مدي العام ونصف العام الماضيين‏,‏ استنفدت معظم مدخراتي منذ تعثر عملي قبل أربع سنوات وأحاول الآن البدء فيه من جديد‏.‏
أختتم رسالتي برجائك ألا تسألني لماذا أحبها‏..‏ فأنا لا أعرف‏!‏

‏««‏ولكاتب هذه الرسالة أقول‏»»‏
لن أسألك لماذا تحبها لأن الحب لا منطق له في أغلب الأحيان‏..‏ لكني سوف أسألك ولماذا يستمر هذا الانفصال بينكما وكل منكما يحب الآخر‏..‏ وتقوم بينكما هذه العلاقة الودية الهادئة ؟
لقد عرفت عيوبها ونقاط ضعفها وصبرت عليها السنين الطوال‏,‏ ثم ضقت ذات مرة بما تنكره عليها فاتفقتما علي الانفصال في هدوء‏,‏ وها قد مضي عام ونصف العام علي هذا الانفصال الهاديء ومازالت زوجتك السابقة تحبك وتفتقدك ومازلت أنت كذلك تحبها وتفتقدها‏,‏ فلماذا لا تستأنفان إذن حياتكما الزوجية مرة أخري علي أن تتعامل مع عيوبها وهناتها بتسامح أكبر وتحاول أنت درء أخطاء هذه العيوب علي الأطفال بقدر الطاقة؟‏!‏ إن وجودها بين أطفالها أفضل لهم تربويا ونفسيا وإنسانيا بالرغم من كل أوجه قصورها‏,‏ من بعدها عنهم وأنت تستطيع كما تعلمت خلال فترة الانفصال القيام بأعمال البيت ورعاية الأطفال‏,‏ ان تكون صمام الأمان الذي يحول دون أي مضاعفات تنتج عن ضعف شخصيتها وسوء تدبيرها وضعف التزامها بما تعد به أو تتفق عليه معك‏..‏ فأعدها إلي عصمتك وأعف نفسك من عناء الوحدة ورعاية الأطفال‏,‏ لكي تتفرغ لعملك من جديد‏,‏ فأما عيوبها فإنك تستطيع السيطرة عليها‏..‏ أو علي الأقل تحملها والتجاوز عنها‏..‏ لكي تظل السفينة طافية فوق السطح‏..‏ ولا يحرم الأطفال من أمهم التي تمثل بالنسبة لهم نبع الحب والحنان مهما يكن سوء تدبيرها‏.‏
ياصديقي إنها قدرك الذي لا نجاة لك منه‏,‏ فتحمل أقدارك بشجاعة وأعد زوجتك الي عصمتك عسي أن تكون قد تعلمت من تجربة الانفصال بعض مالم تكن تعلم وشكرا‏.‏




إقرأ المزيد ليست هناك تعليقات:

زوجى يتخيل انى اسرقه


زوجي يتخيل أني أسرقه..!
س: أنا زوجة رجل ميسور الحال يشغل مركزاً مرموقاً مضى على زواجنا 25 عاماً وأنا أكتب لك هذه الرسالة في الأسبوع الأخير من الشهر وزوجي الميسور لم يدفع بعد مصروف الشهر الذي قارب الانتهاء ولا يريد أن يدفع، وفي كل مرة تبدأ المشاجرة بمطالبتي له بمصروف البيت فيؤديني نفسياً وجسمياً ويبدأ الشتائم ويستاء الأولاد من ذلك ويسألونني في كل مرة: أليس هناك حل لهذه المشكلة؟ فلا أعرف بماذا أجيبهم فأنا لا أعرف حلاً لها وهو يضطره عمله للعمل دائماً خارج مدينتنا وحين يكون في مقر عمله يتعمد عدم الاتصال بنا تليفونياً طول غيابه حتى لا أطالبه بإرسال المصروف، وحين يعود يتعمد الخروج من البيت معظم الوقت حتى لا أطالبه به ويتخيل أحياناً أني أسرقه وأنه أعطاني المصروف مرتين مع أنه لا يدخل البيت ومعه نقود أبداً ودائماً يسوف ويراوغ ويعدني بأن يرسل لي المبلغ مع سكرتيره ثم يفتعل أي سبب للشجار لكيلا يدفع مليماً واحداً في البيت. تسألني طبعاً كيف إذن نعيش وأجيبك بأني موظفة محترمة أيضاً لكني غير محترمة في هذا البيت لدرجة أني فكرت في هجرة والإقامة بإحدى دور المسنين ما دمت أصرف على نفسي داخل البيت وخارجه، ولم يمنعني من تنفيذ الفكرة سوى خوفي على أولادي وهم في سن الزواج. أما زوجي فهو يستمرئ هذا الوضع ولم يشعر في يوم من الأيام بأي مسؤولية عنا والعجيب أنه محبوب في عمله وشعلة نشاط وفيه كل الصفات الممتازة ولكن في محيط عمله فقط أما في البيت فهو شيء آخر تماماًلا أطلب منه سوى أن يعطيني مصروف البيت فقط أول الشهر بدون شجار فأرجو أن توجه له كلمة بأن يرعى الله فيناوشكراً لك.
ج: المستشار : عبدالوهاب مطاوع
نعم يا سيدتي، سوف يحاسبه الله عن مسؤوليته عنكم لأنه راع وكل راع مسؤول عن رعيته، وأنتم رعيته وأمانته التي أؤتمن عليها وطائره والذي في عنقه وسيلقى الله به، حتى لقد قيل صِدقاً وعدلاً أن مقاساة الأهل والولد أي الكفاح لإعالتهم وإسعادهم بمنزلة الجهاد في سبيل الله، وحتى كان من حكمة الدين الحنيف بل ومن لطائفه ان ما ينفقه الرجل على زوجته وأولاده وأهله يؤجر عليه كأنما قد تصدق بما أنفق مع أنه مسؤول شرعاً وقانوناً عن إعالتهم، وإنفاقه عليهم واجب من واجباته وإنما أريد بذلك أن يحبب الأزواج في الإنفاق على أهلهم وأن يتوسعوا فيه وألا يقبضوا أيديهم عنه أو يؤثروا أنفسهم بمعظم ما يكسبون، أرأيت يا سيدي هذه الحكمة الإلهية الكريمة؟ وهل قرأت قول الرسول الكريم: ((ما أنفقه الرجل على أهله فهو صدقة، وإن الرجل ليؤجَر على اللقمة يرفعها إلى في امرأته)) أي إلى فمها!
نعم، هو واجب على الزواج أن يعول زوجته وأولاده ... لكنه زيادة في الفضل ويؤجر عنه إذا أدّاه .. ويضاعف له الأجر إذا أحسن أداءه، وإذا كان للزوج والأب الأجر في الإنفاق على أبنائه وزوجته، فإن عليه بالضرورة الإثم ان امتنع عنه أو أمسك أو قتر فيه وهو قادر على الإنفاق والتوسعة. وفي ذلك يقول الحديث الشريف أيضاً: ((كفى بالمرء إثماً أن يضيِّع من يقوت)) أي مَن يعول والمعروف ان الزوج مكلف بالإنفاق على زوجته وأولاده ولو كانت ذات دخل أو ثروة وان دخلها وثروتها لا يسقطان عنه هذا التكليف ما دام قادراً، ذلك أن من حقها أن تشارك في الإنفاق على الأسرة باختيارها ورغبة منها في معاونة زوجها على أمره لكنها ليست ملزمة بالإنفاق من دخلها على بيتها وأولادها ولا يملك أحد إجبارها على ذلك إذا أبتْ والمبدأ الشرعي في ذلك هو ببساطة: إما إنفاق .. وإما طلاق!
ولا شك أنكما تستطيعان معاً تسوية هذا الأمر بما يجنبكما الاشتباك في موقعة كل شهر، بالاحتكام إلى حكَم عدل بينكما يقدر مبلغاً ملائماً يدفعه هو كاتبها وليست زوجته أقول: إذا اختلطت علينا الأمور ففي الاحتكام لأحكام الدين الصحيحة النجاة من كل حيرة والضمان لتحقيق العدل الانساني لكل الأطراف. وبهذا المعيار الرشيد أقول لزوجتك أنه لا سند من دين أو حكمة لإصرارك على ارتداء السواد بعد عامين من رحيل أبيك ولا لهجرك زوجك في الفراش ((تذرعاً)) بهذا الحداد. فالرسول الكريم (ص) يقول: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميت فوق ثلاثة أيام إلا على زوجها أربعة أشهر وعشراً)).
والإحداد هنا هو ترك الزينة لزوجها، ويرتبط به نفسياً بغير شك، العزوف عن العلاقة الخاصة تأثراً بحالة الحزن. ومن واجب كل طرف في العلاقة الزوجية أن يحترم أحزان الآخر وأن يحاول التخفيف عنه ومواساته وأن يصبر عليه إلى أن يسترد إقباله على الحياة تدريجياً بعد فترة الحزن أما أن تعتصم الزوجة بالسواد لمدة عامين وتتخذ من حدادها ذريعة للنفور من زوجها وهجره في الفراش فليس من الدين في شيء ولا من حسن المعاشرة، وإنما هو غالباً انعكاس لحالة أخرى وجدت في الحداد فرصتها للتعبير عن نفسها، وسواء أكانت هذه أو تلك فالمؤكد أن زوجتك تعاني من حالة اكتئابية ينبغي أن تساعدها على اجتيازها وأن تعين هي أيضاً نفسها على التخلص منها. وأول خطوة في هذا الطريق هو أن تخلع هذا السواد الذي يحملها إثماً لا مبرر له تجاه زوجها وأبنائها. وارتداء السواد لفترة طويلة يضفي ظلاله الكئيبة فعلاً على حياة الأسرة، ولا معنى له بعد فترته الطبيعية لا تعذيب النفس وتعذيب الآخرين به. كما ان اختلاف بينكما حوله وحول ما يرتبط به من نفور سوف يفتح الباب لأنواء ومشاكل لا تليق بجلال السنين بعد هذه الرحلة الطويلة .. فلماذا التمسك به إذن؟.

إقرأ المزيد ليست هناك تعليقات:

رحيق السعادة

رحيق السعادة‏

أنا رجل في الثانية والأربعين من عمري حاصل على مؤهل عال تزوجت منذ عشر سنوات من فتاة من أسرة طيبة‏..‏ وكنت حينذاك اعمل محاسبا بمستوصف خاص بإحدى دول الخليج‏,‏ وارتبطت بهذه الفتاة وعقدت قراني عليها في مدينتي الصغيرة بالوجه البحري‏,‏ وسافرت هي إلي حيث أقيم لإتمام الزفاف توفيرا للنفقات‏.‏ وبعد خمسة شهور من زواجنا من الله سبحانه وتعالي علينا بحمل زوجتي في توءم‏,‏ ومضت شهور الحمل الأولي عادية إلي جاء الشهر السادس‏,‏ وتطورت الظروف واحتاجت زوجتي فجأة إلي إجراء جراحة كبري لها‏..‏ وكان مطلوبا أن يتوافر عدد كبير من المتبرعين لها بالدم لإنقاذ حياتها خلال الجراحة‏,‏ والحمد لله فلقد تجمعنا أنا وعدد كبير من زملائي بالعمل في المستشفي وتقدمنا جميعا للتبرع بالدم المطلوب‏,‏ وأبلغني الأطباء أنهم يسعون إنقاذ حياة الزوجة علي حساب حياة التوءم وكان قراري وبإجماع زملائي كلهم هو أن إنقاذ حياة الزوجة هو الأهم‏..‏ أما التوءم فهما في ذمة الخالق العظيم وهو الذي خلقهما بقدرته العليا‏..‏ وهو الذي يستطيع أن يعوضنا عنهما بإرادته حين يشاء واستراح ضميري وضمير زملائي جميعا لهذا القرار‏,‏ واستغرقت العملية الجراحية عشر ساعات‏,‏ كنت خلالها عاكفا في مسجد المستوصف أسجد لله خوفا وأملا أتضرع إليه أتلو آيات الذكر الحكيم‏,‏ وخاصة سورة ياسين‏,‏ إلي أن خرج الأطباء وقالوا لنا أنهم قد فعلوا كل ما يستطيعون‏..‏ ولم يبق إلا الأمل في رحمة الله‏.‏ فنقلت زوجتي من غرفة الجراحة إلي العناية المركزة‏,‏ وأخذنا التوءم اللذين لم يكتب لهما أن يريا الحياة واستودعناهما عند من لا تضيع عنده الودائع سبحانه‏.‏ وظلت زوجتي في العناية المركزة شهرا كاملا‏..‏ وكانت قد سألتني عن توءمها حين أفاقت ولم أجد ما يدعو إلي إخفاء الحقيقة أو التهرب منها فصارحتها بأنهما أمانة عند الخالق العظيم وسيكونان شفيعين لها بإذن الله يوم القيامة‏,‏ فتجلدت زوجتي واسترجعت‏..‏ وقالت هو من أعطي وهو من أخذ فاللهم آجرني واجر زوجي عنهما يوم الحساب‏.‏ وخرجت زوجتي من المستشفي وسط دهشة كثيرين لم يصدقوا احتمال شفائها أو نجاتها من الموت بعد أن أكد الأطباء من قبل أن نسبة نجاح تلك الجراحة الكبرى ضئيلة للغاية‏.‏ وعدنا لحياتنا الطبيعية وبعد فترة ليست طويلة‏,‏ بدأت زوجتي تشعر ببعض الألم والمغص في البطن‏..‏ وبدأنا نتردد علي المستشفي فيعطيها الأطباء بعض المسكنات ويذهب الألم‏..‏ ثم لا يلبث أن يعود من جديد‏..‏ إلي أن قرروا إجراء جراحة استكشاف للبطن للكشف عن أسباب هذا الألم‏,‏ وامتثلنا لقرار الأطباء وأجريت الجراحة ووجدوا أن الأمعاء بها التهاب لا يحدث إلا بنسبة الواحد في المليون في مثل هذه الظروف‏,‏ واتخذ الأطباء قرارهم بإجراء جراحة ثالثة لها لفصل الأمعاء إلي جزأين.‏ وبعد الجراحة توجهنا لأداء العمرة‏..‏ والابتهال إلي الله أن ينعم عليها بنعمة الشفاء‏,‏ ورجعنا إلي مصر لقضاء فترة الإجازة السنوية فرجعت نفس الآلام والمشاكل مرة أخري‏..‏ واحتاجت زوجتي إلي إجراء جراحة رابعة كبري في أحد المعاهد المتخصصة في مصر‏..‏ وتقبلنا أنا وزوجتي كل ذلك بصبر وامتثال وبحمد الله علي نعمه والثناء عليه‏.‏ ثم عدنا إلي مقر عملي بالبلد الخليجي‏,‏ واستقرت الحالة الصحية لزوجتي وانتهت الآلام إلي غير رجعة والحمد لله‏..‏ ومارسنا حياتنا الطبيعية إلي أن انتهت فترة عملي بالغربة‏,‏ ورجعنا للاستقرار في بلدنا‏,‏ وكنت خلال ذلك قد استخدمت كل أو معظم مدخراتي في الغربة في بناء شقة بمنزل أبى وتجهيزها ورجعت إلي عملي كموظف بالحكومة‏..‏ وبعد عودتنا بفترة بدأت المشاكل من جانب آخر هو جانب والدتي يرحمها الله واخوتي‏,‏ وكان مثار كل تلك المشاكل هو الحديث عن الجراحات الأربع التي تعرضت لها زوجتي ومدي تأثيرها علي فرصتها في الإنجاب,‏ ورغبة أبي وأمي في أن يريا لهما حفيدا مني‏,‏ وكنت في كل تلك المشاكل أقول دائما لأبي وأمي واخوتي أن الإنجاب كالرزق والعمر وعلم الساعة كلها من أمر ربي وحده‏,‏ ولكن دون جدوى فلا يمر يوم دون أن أرجع من عملي وأجد زوجتي تبكي بكاء مريرا بسبب كلمة أو إشارة وجهت إليها في هذا الشأن‏,‏ أو خبر نما إليها عن ضغط أهلي علي لكي أطلقها لأتزوج من أجل الإنجاب.‏ وتحت ضغط هذه الظروف كلها اضطررت لمصارحة أبى وامي بالسر الذي كنت اكتمه عنهما وهو انني انا أيضا اعاني من سبب عضوي يضعف من فرصتي في الانجاب‏..‏ وان حمل زوجتي الأول قد تم خلال فترة كنت اتلقي فيها علاجا مكثفا لحالتي‏,‏ اما الآن فانني احتاج إلي عملية زرع انسجة‏,‏ وهي مكلفة جدا ولا طاقة لي بها‏,‏ وبالتالي فإن ظروفي وظروف زوجتي متشابهة وهذه هي حياتنا ونحن راضيان بها‏,‏ لكن ابي وامي لم يقتنعا بذلك وفسراه علي طريقتهما‏,‏ بإنني انسب إلي نفسي العجز عن الانجاب لكي يتوقفا عن الضغط علي للزواج مرة أخري‏,‏ واستمرت الضغوط القاسية بلا هوادة‏..‏ وبعد فترة فوجئت بابي وأمي يضعانني امام خيار صعب هو إما أن اطلق زوجتي هذه واتزوج من أخري علي أمل الانجاب منها‏..‏ وأما أن اغادر الشقة التي بنيتها بشقاء العمر في الغربة‏,‏ وابحث لنفسي عن مسكن مستقل خارج نطاق الأسرة‏.‏ وبالرغم من قسوة الاختيار فإني لم اتردد لحظة في اتخاذ قراري وهو التمسك بزوجتي والبحث لنفسي عن سكن آخر‏,‏ بعد أن أعيتني كل الحيل مع أهلي‏,‏ وبعد أن استشرت أهل الذكر ورجال الدين فاجمعوا كلهم علي ان ما يطلبه مني ابي وامي هو تدخل في أمور خاصة بقدرة الله وحده‏,‏ وليس لي ولا لزوجتي يد فيها‏.‏ وقبلت بالقرار الصعب وغادرت شقتي في منزل الأسرة‏,‏ لكيلا اغضب أبوي وأهلي واقترضت من البنك علي مرتبي لكي ادفع مقدم ايجار لشقة صغيرة استأجرتها بمائة وخمسين جنيها كل شهر‏..‏ وكل مرتبي لا يزيد علي مائتين وسبعين جنيها‏,‏ وزوجتي وهي حاصلة علي بكالريوس التجارة لا تعمل‏.‏ وانتقلنا للشقة الجديدة‏..‏ ووجدتني ادفع اكثر من نصف مرتبي كل شهر كايجار لها ولي في نفس الوقت شقة خالية بنيتها بعرقي وكفاحي في منزل الأسرة‏,‏ ثم رحلت أمي عن الحياة فجأة يرحمها الله‏..‏ وبعد فترة الحداد حاولت مع أبي جاهدا أن أعود إلي مسكني‏..‏ وتدخل بعض الصالحين بيني وبينه في ذلك‏,‏ فإذا به يتمسك بالرفض النهائي ومازال علي موقفه هذا إلي الآن‏.‏ وبالرغم مما نعانيه من ضيق العيش وجفاف الحياة ونفقات الأطباء المختصين بأمر الانجاب بالنسبة لزوجتي ولي‏,‏ فلقد أزداد تمسك كل منا بالآخر واقتناعه به وحاجته إليه‏..‏ واستشعاره الراحة والسعادة بين يديه‏..‏ وفي نهاية كل يوم يجد كل منا قلبا مفتوحا للآخر يقدم له العطاء والتضحيات ويتحمل العناء من أجله والحمد لله علي ذلك حمدا كثيرا‏,‏ وأنني أكتب لك هذه الرسالة لكي أعلق بها علي رسالة الأرض الخصيبة للزوج الشاب الذي يئس من عدم إنجاب زوجته حتى زهدها‏,‏ وأقول له إنه علي قدر صبر الإنسان تكون جوائز السماء التي يبشر بها صاحب ‏««‏بريد الجمعة‏»»‏ الصابرين والمبتلين‏,‏ ولأرجوه أن يصبر وألا ييأس من روح الله‏,‏ كما أفعل أنا مع تمنياتي للجميع بالسعادة وتحقيق الأمنيات إن شاء الله‏.‏ ‏
ولكاتب هذه الرسالة أقول ‏
ظننت في البداية أنك قد كتبت رسالتك هذه لكي تطلب مني في ختامها أن أناشد أباك أن يخفف من غلوائه ويسمح لك بالعودة إلي مسكنك الذي بنيته بشقاء الغربة بدلا من معاناتك لشظف العيش في شقة مستأجرة لا يسمح لك دخلك بتحمل عبء إيجارها,‏ فإذا بكبرياء الحب الذي جمع بينك وبين زوجتك وصمد لكل الأحوال والتحديات‏,‏ يحول بينك وبين ذلك‏,‏ وإذا بك تختتم رسالتك بأنشودة بليغة وقليلة الكلمات عن السعادة وسكون القلب إلي جوار من يحب والرضا بكل ما تحمله له أعاصير الحياة والصبر عليها والاستعانة بالحب الصادق والعطاء المتبادل والتضحيات المشتركة علي اجتياز العقبات واحتمال جفاف الحياة‏..‏ وإذا بك تهدي تجربتك في الصبر علي ما جرت به المقادير والتطلع الدائم إلي الأمل في رحمة الله‏,‏ إلي كاتب رسالة الأرض الخصيبة راجيا له جوائز السماء للصابرين والمحتسبين‏,‏ وطالبا منه الا ييأس أبدا من روح الله وأن يصبر علي ظروفه كما تفعل أنت‏!‏ يا إلهي‏..‏ لقد القيت علينا درسا جديدا في معني السعا


إقرأ المزيد ليست هناك تعليقات:

نظرية الارض

نظرية الأرض‏!‏


أنا سيدة في الثلاثين من عمري زوجة منذ عشر سنوات وأم لطفلين رائعين‏,‏ ودراستي هي علم النفس‏,‏ وأكتب لك رسالتي هذه تعليقا علي رسالتي الخواطر والفوازير اللتين يشكو فيهما صاحباهما من زوجتيهما‏..‏ وفي البداية أقول انه كان من المألوف أن نسمع شكاوي النساء من الرجال اتساقا مع ماتؤكده لنا الدراسات من أن الرجل يحتل المرتبة الأولي في أولويات المرأة‏,‏ في حين تجيء المرأة في أولويات الرجل غالبا في المرتبة الثانية أو الثالثة‏,‏ ولست هنا في مجال تفسير ظهور هذه الشكاوي الرجالية من المرأة في الوقت الراهن أو ربطها في اعتقادي بزيادة وعي المرأة بحقوقها المعنوية والنفسية وتمسكها بها‏,‏ لكني أقول فقط ان كثيرين من الرجال يعلمون أن مفتاح المرأة هو قلبها لكنهم بالرغم من ذلك لايعرفون كيف يستخدمونه في فتح مغاليقها‏..‏ ولكي أساعد الرجال علي ذلك سأطرح بدوري مسابقة أخري نسائية علي غرار مسابقة الفوازير الرجالية التي طرحها كاتب رسالة الأسبوع الماضي وهو يشكو من زوجته‏..‏ وسأختصر أسئلة المسابقة إلي أقل حد ممكن فأختار منها الآتي‏:‏
‏*‏ تري كم رجلا متزوجا ذهب إلي عمله ذات يوم ثم رفع سماعة التليفون ليتصل بزوجته ليس لكي يطمئن علي سير الأمور في البيت والأولاد‏,‏ وانما لكي يقول لزوجته انه يفتقدها ويتشوق إليها؟
‏*‏ وكم رجلا قال لزوجته بعد بضع سنوات من الزواج انه معجب بها أو بمزايا معينة فيها؟
‏*‏ وكم رجلا انتهز الفرصة المناسبة لكي يشكر زوجته علي حسن رعايتها له وللأولاد ولما تقوم به من دور مهم وحيوي في حياته وحياة الأسرة؟
‏*‏ وكم رجلا لم يفته أن يتزين لزوجته كما تتزين هي له‏..‏ وحرص علي أن يكون في يوم اجازته الذي يقضيه معها في البيت حليق اللحية ممشط الشعر متعطرا‏..‏ ولم يؤجل كل ذلك إلي يوم الذهاب للعمل؟
‏*‏ وكم رجلا أطري محاسن زوجته وسجاياها أمام أهله وأهلها‏,‏ ولم يتحين الفرص علي العكس من ذلك لابراز عيوبها ونواقصها أمامهم؟
‏*‏ وكم رجلا اختار لزوجته اسم تدليل يناديها به ويشعرها بخصوصيتها لديه‏,‏ كما كان الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم‏,‏ يفعل مع زوجته السيدة عائشة فيناديها باسم عائش؟
‏*‏ وكم رجلا طلب من زوجته أن تستريح ذات يوم من أداء واجباتها المنزلية وقام هو بها عنها لأنها في هذا اليوم مريضة أو معتلة المزاج؟
‏*‏ وكم رجلا رجع من عمله إلي بيته ففاجأ زوجته بتذكرتي سينما أو مسرح‏,‏ بأي شيء يعرف عنها أنها تحبه وتسعد به؟
‏*‏ وأخيرا كم رجلا اتبع السنة في العلاقة الخاصة بين الزوجين فبدأ بالمداعبة والملاعبة والكلام والقبل ولم يقع علي زوجته كما يقع البعير وهو ما نهي عنه الرسول صلوات الله وسلامه عليه؟
انني أرجو أن يلاحظ الرجال أن معظم ما أشرت إليه لايكلفهم وقتا ولا مالا ولا جهدا‏,‏ ومع ذلك فإن أداءه والحرص عليه يجعل من زوجاتهم إماء لهم‏.‏
وانني أتحدي أن يكون هناك رجل قد طبق كل هذه البنود ووجد من زوجته بعد ذلك مايدعوه إلي الشكوي منها علنا علي صفحات الجرائد كما فعل كاتبا الرسالتين‏,‏ اللهم إلااذا كانت امرأة غير سوية‏.‏
أقول قولي هذا وأدعو الله أن يتقي الرجال ربهم في زوجاتهم وأن يعاملوهن بما أمرهم الله أن يعاملوهن به‏,‏ وأن يتأسوا في ذلك برسوله الكريم لأن المرأة كالأرض تنبت مايزرعه الرجل فيها وليس العكس والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته‏.‏

‏««‏ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏»»‏
ولكن الأرض قد تنبت أيضا ما لم يزرعه فيها أحد بيده كالشوك والحسك اللذين ينبتان فيها تلقائيا في بعض الأحيان‏,‏ ربما لأن بذورهما كانت كامنة تحت قشرة الأرض‏,‏ وربما لأن الرياح قد حملتها إليها من بعيد بغير تدخل من يد بشرية في ذلك‏!‏
كما أنه ليست كل أرض‏,‏ تنبت مايزرعه فيها صاحبها ويصح نبتها وينمو‏,‏ فقد يبذر الإنسان في الأرض اليباب بذورا صالحة فتموت في باطنها ولا تنبت ولا تثمر أو تنبت معوجة سقيمة‏,‏ لأن ملوحة الأرض قد أصابتها بالوهن ولست أقصد بذلك اعفاء الرجال من كل مسئولية‏..‏ أو اتهام النساء بكل المسئولية‏,‏ وانما أقصد فقط أن الأرض الطيبة هي التي تحتضن البذور الواعدة بالخير وتتفاعل معها وتغذيها فيصح الزرع ويورق النبات‏,‏ وان للأرض أيضا دورا إيجابيا في حماية هذه البذور من الهلاك وانمائها وتخصيبها‏,‏ وليس مجرد استقبالها وانباتها كما يوحي بذلك تشبيهك للمرأة بالأرض التي لاتنبت إلامايزرعه فيها صاحبها‏..‏
والحق أن تشبيه المرأة بالأرض في هذا المجال ليس تشبيها دقيقا‏,‏ بل انه في تقديري تشبيه مجحف للمرأة وليس منصفا لها كما تتصورين‏,‏ لأنه يحكم عليها بالسلبية المطلقة‏..‏ ويحصر دورها في دائرة ردود الفعل بالنسبة للرجل‏,‏ ويجردها من مؤهلاتها ككائن حي له ارادته الحرة وتفكيره المستقل وقدرته الذاتية علي الفعل‏..‏ والحق أن كل ما أشرت إليه من أمور ولفتات تغيب عن بعض الأزواج أو يتجاهلونها انما تسهم بالفعل في استدامة الود بين طرفي العلاقة الزوجية‏..‏ وتجميل الحياة من حولهما‏,‏ وتهوين المتاعب عليهما‏,‏ لكنه ليس من الموضوعية بالرغم من ذلك أن ننجرف إلي خطأ التعميم واصدار الأحكام المطلقة‏,‏ فنحكم بأن أسباب التعاسة الزوجية تنحصر في اهمال الرجال لمثل هذه اللفتات والأمور المهمة‏,‏ لأن من أسبابها كذلك ما لايتعلق بمثل هذه اللفتات والأمور‏,‏ كافتقاد روح العدل من جانب أحد الطرفين‏,‏ وافتقاد الدفء العاطفي في العلاقة الزوجية من جانب الطرفين معا أو أحدهما‏,‏ وافتقاد روح التسامح والجحود البشري‏,‏ وسوء الطبع‏..‏ والانفعالية المدمرة‏..‏ والتسلط‏...‏ الخ‏,‏ ناهيك عما يشكو منه الفريقان معا في بعض الأحيان من تحول العلاقة بينهما إلي مباراة يحاول كل طرف فيها تحميل الآخر كامل المسئولية عن كدر الحياة بينهما معفيا نفسه من كل لوم أو تبعة‏,‏ وكأنما قد كان طرفا مستقبلا فقط لكل الاساءات‏,‏ وليس كذلك طرفا مرسلا وفاعلا بنفس القدر ان لم يكن أكبر‏..‏
وفي ذلك قد يستوي الرجل والمرأة‏,‏ غير أن معظم خبراء الاستشارات الأسرية في الغرب يؤمنون بأن السلام الزوجي إنما يتوقف علي حكمة الزوجة أكثر مما يتوقف علي مهارة الرجل أو حسن عشرته وطباعه‏,‏ وتعليلهم لذلك هي أنه حتي لو كان الزوج مقصرا أو سيئا‏,‏ فإن كلمة الزوجة تستطيع إذا أرادت أن تستوعب كل أخطائه وتقصيره‏,‏ وتحفظ للحياة العائلية سلامها واستمرارها‏,‏ في حين أن الرجل لو كان ملاكا طاهرا‏,‏ وصادف زوجة انفعالية أو غير حكيمة أو غير منصفة أو غير متزنة عصبيا فلن يستطيع حتي ولو كانت تحبه أن تجنب أسباب الشقاء والمعاناة معها‏..‏
وكل ذلك يدحض نظرية الأرض التي لا تنبت إلا ما يزرعه الرجل فيها‏,‏ غير أني لا أريد من ناحية أخري أن أنجرف بدوري إلي التعميم وإصدار الأحكام المطلقة علي النوع‏..‏ إذ ليس من الإنصاف أن نحكم علي نصف البشرية بالتجني‏,‏ وعلي النصف الآخر بالبراءة المطلقة من كل شبهة‏..‏ وإنما الأقرب للإنصاف أن نقول إن من الرجال من يتحملون المسئولية الأولي عن فساد العلاقة بينهم وبين شريكات حياتهم‏..‏ ومن النساء من يتحملن هذه المسئولية كذلك عن تعاسة أزواجهن بهن‏,‏ ومن الفريقين من هو ظالم ومظلوم معا بالقدر نفسه أو أقل أو أكبر قليلا‏..‏ وفي كل الظروف والأحوال فإنه من الخيبة الحقيقية أن يكون بمقدور الإنسان أن يسعد نفسه ومن حوله‏,‏ ثم يتقاعس عن تحقيق ذلك لأي أسباب يراها‏..‏
ومن الغباء البشري أن يتحجر البعض علي مواقفهم وأخطائهم وألا يحاولوا إصلاح أنفسهم‏..‏ وتجميل حياتهم وتعطيرها بعبق المحبة والسلام‏.‏
وشكرا لك علي تنبيهك للرجال إلي مفتاح المرأة الذي يفتح لهم معاليتها وأرجو أن تنجح وصفتك في إرشاد الكثيرين إلي سبل الوصول لقلوب شركائهم والعيش معهم في سلام علي الأقل إن تعذر عليهم العيش معهم في حب ووئام‏!‏




إقرأ المزيد ليست هناك تعليقات:
الدور العلوي‏!‏


أنا سيدة في الثلاثينيات من العمر‏,‏ جامعية ومثقفة إلي حد ما‏,‏ أحب القراءة والكتابة‏..‏ وتصورت في فترة من الفترات أنني سوف أصبح كاتبة‏,‏ لكن الحياة غيرت اتجاهي بعد أن تزوجت وانشغلت بحياتي العائلية‏.‏
ولقد قرأت الرسالة التي نشرت في هذا الباب منذ بضعه أسابيع بعنوان الأب الرسمي للفتاة التي ضمها جدها وجدتها إليهما منذ طفولتها فنشأت مرتبطة بهما وبعيدة عن أبيها وأمها‏,‏ ورفضت العودة للحياة بينهما وشجعها الجدان علي ذلك‏,‏ إلي أن بلغت سن الزواج وتوقعت من أبيها الرسمي أن يسهم في نفقات زواجها بقدر معقول‏,‏ فإذا بالأب يرفض المساهمة في ذلك نهائيا لأنها ابتعدت عن أبويها وكان منطقه في ذلك أنه مادام جداها قد شجعاها علي عدم العودة إليهما فليتكفلا دونه بنفقات زواجها ولقد أثارت هذه الرسالة أشجاني وأريد أن أروي لها قصتي لعلها تجد فيها بعض ما يرشدها إلي سواء السبيل‏..‏ فلقد جئت إلي الحياة لأبوين رزقا قبلي بأربع فتيات‏,‏ وتركزت كل آمالهما في أن يجيء المولود الخامس ولدا‏,‏ فاذا بي أولد بنتا فاستقبلاني بالحزن والاكتئاب‏..‏ ولأننا كنا في ذلك الوقت نعيش في بيت من دورين باحدي مدن القناة‏,‏ ويقيم في الدور العلوي من البيت عمي وخالتي وهما زوجان رزقا ببنت غير مكتملة النمو العقلي‏,‏ فلقد عرضا علي أبي وأمي أن يضماني إليهما وأنا طفلة وليدة ويتكفلا بتربيتي وتنشئتي دونهما‏,‏ لكي يحلا لأبي وأمي مشكلة طفلتهما الخامسة من ناحية‏,‏ ولأنهما‏,‏ كما أدركت فيما بعد ـ أرادا أن يربياني ويتكفلا بي فأصبح أختا لابنتهما المسكينة وأرعاها حين أكبر وأتحمل مسئوليتها من بعدهما‏.‏
وهكذا وجدت نفسي بين أب وأم وأخت مسكينة ينمو جسمها ولا ينمو معه عقلها‏..‏ ويقيم تحتنا عمي وخالتي وبنات عمي وخالتي الأربع‏,‏ ومازلت أذكر من ذكريات طفولتي حين كانت تسألني بعض السيدات اللاتي يزرن الأسرة بالطابق العلوي‏..‏ كيف حال ماما؟‏..‏ فأتعجب لماذا تسألني عن أمي وهي تجلس إلي جوارها‏!‏ وبالرغم من ذلك فلقد كان هناك شيء غامض لا أدري كنهه يجذبني إلي الطابق الأرضي الذي يقيم به عمي وخالتي وبناتهما وأشعر بحنين عجيب إليهم جميعا‏,‏ ومضت بي الأعوام والتحقت بالمدرسة ولم ألتفت كثيرا لاختلاف اسم الأب في أوراقي الرسمية عن اسمه في الحياة‏,‏ فلقد قيل لي ان اسمه في الورق هو الاسم الرسمي‏,‏ وان اسمه في الحياة هو اسم الشهرة‏,‏ فأحببت اسم الشهرة أكثر مما أحببت الاسم الرسمي‏,‏ إلي أن بلغت سن الصبا وبدأت أشعر بتغير غير مفهوم في معاملة أمي لي‏..‏ وتفاقم هذا التغير حتي بدأت أشعر بعدم حبها لي‏,‏ ولأنني لم أكن أدرك دوافع هذا التغير من جانبها تجاهي فلقد كرهتها لمعاملتها السيئة لي‏,‏ وأحببت أبي كل الحب الذي يمكن أن يتسع له قلب فتاة مثلي‏,‏ لأنه لم يتغير تجاهي بعد أن كبرت وظل يغمرني بحبه وعطفه إلي النهاية‏,‏ وخلال ذلك كانت الدنيا قد فرقت بيننا وبين أسرة عمي وخالتي وبناتهما الأربع وانتقلنا نحن للاقامة في القاهرة‏,‏ وتخرجت في كليتي وارتبطت بمن زختارني واختارته‏,‏ وبدأنا الاستعداد للزواج فإذا بأبي يصر علي أن يستأذن عمي وخالتي في زواجي وأن يحصل أولا علي موافقتهما قبل أن يعلن قبوله‏,‏ وتساءلت عن ضرورة ذلك‏,‏ فعرفت الحقيقة التي خفيت عني كل هذه السنين وهي أن هذا العم وهذه الخالة هما أبواي الحقيقيان‏,‏ وان هؤلاء الفتيات الأربع هن أخواتي‏,‏ أما هذه الفتاة المسكينة التي أعيش معها فهي ابنة عمي وابنة خالتي‏,‏ وأدركت في هذه اللحظة فقط سر تغير مشاعر من كنت أظنها أمي تجاهي بعد أن كبرت وصرت فتاة في بداية سن الشباب‏..‏ فلقد كانت الحسرة تنهش قلبها الحزين وهي تري ابنتها الحقيقية تنمو جسما وعقلها لايتجاوز عقل طفلة عمرها خمس سنوات‏,‏ في حين استوت الفتاة الأخري التي تكفلت بها شابة تجذب الأبصار‏,‏ ويشيد بها الجيران‏,‏ وانفجر بركان الغضب في قلبي تجاه أبي وأمي الحقيقيين‏..‏ كيف تخليا عني وتركاني لغيرهما حتي ولو كان هذا الغير هما عمي وخالتي؟‏,‏ ولماذا كرهاني وأنا طفلة وليدة ولا ذنب لي في مجيئي للحياة بعد أربع فتيات؟‏..‏ وراح أبي وأمي الحقيقيان يحاولان بكل جهدهما أن يبررا لي ماحدث ويؤكدان لي أنهما مظلومان مع عمي وخالتي لأنهما كانا في حاجة لابنة طبيعية بعد أن رزئا بابنتهما المسكينة‏,‏ وانهما اغتصباني منهما بالالحاح وبالاحراج والضغط النفسي عليهما‏,‏ ولم أصدق هذا التبرير ولم أقتنع به واستمر الشرخ في داخلي لفترة طويلة حتي كرهت نفسي‏,‏ وظل هذا الشرخ يفسد علي حياتي لفترة طويلة إلي أن تزوجت وتكفل بنفقات زواجي بل وبشقتي كذلك من تكفل من قبل بتربيتي وتنشئتي وهو أبي بالتربية وعمي بالصلة الرسمية‏,‏ وانشغلت بحياتي العائلية وأسرتي الجديدة عن ذكريات الماضي وأحزانه‏..‏ ولهذا فإني أقول لهذه الفتاة التي ابتعدت عن أبويها ورفضت العودة إليهما وفضلت الحياة بين جديها علي الحياة في بيت أبيها وتلوم أباها لرفضه القيام بأي دور في زواجها‏..‏ أقول لها لماذا لم تبحثي عن هذا الدور قبل الآن‏..‏ ولماذا لم تقدر احتياج أبويها إليها كما تقدر الآن احتياجها إلي أن يقوم والدها بأي دور في زواجها؟‏..‏ انك أيتها الفتاة لن تدركي عمق حزنهما لموقفك منهما إلاحين تصبحين أما وتعرفين معني الأمومة‏..‏ ولقد كان الأفضل لجديك مهما يكن حبهما لك ألايجعلا انتماءك الأول إليهما وليس لأبويك‏,‏ أما مسألة زواجك فإن من واجب جدك أن يتكفل به دون أن يزعج الأب الرسمي بذلك مادام قد شجعك من البداية علي مفارقته والبعد عنه‏,‏ ولكي يكمل المشوار الذي بدأه معك وهو القادر علي ذلك‏,‏ أم تراه يريد أن يجني العسل بغير أن يدفع الثمن؟‏..‏ لقد استأثر بك علي غير رغبة أبويك حتي ولو كانا قد رضيا في البداية بحضانته لك لانشغالهما في العمل‏,‏ لأنه حين سمحت لهما الظروف باستردادك شجعك علي عدم العودة إليهما‏..‏ ولم يقدر احتياجهما إليك‏.‏
وفي النهاية فاني أناشد كل الآباء وكل الأمهات ألايتخلوا عن أبنائهم لغيرهم مهما تكن أسبابهم لذلك‏,‏ ومهما يكن هؤلاء الغير منهم‏,‏ لأنه لاشيء يعوض الأبناء عن صحبة الأبوين ورعايتهما وحبهما لأبنائهما والسلام‏.‏

‏««‏ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏»»‏
مهما تكن دوافع الأبوين للتخلي عن أحد أطفالهما للغير حتي ولو كان أقرب الناس إليهما‏,‏ ومهما تكن ظروف الحياة المادية الأفضل التي يقدمها هؤلاء الغير للطفل‏,‏ فإنه لايغفر لأبويه أبدا حين يدرك حقائق الحياة تخليهما عنه لغيرهما‏,‏ ولا يخفف شيء مادي قدمته له حياته الجديدة من مرارة احساسه بالنبذ العاطفي من جانب أبويه‏,‏ وبأنه لم يكن مرغوبا فيه لديهما‏.‏
لهذا لم أعجب ياسيدتي حين انفجر بركان الغضب الكامن في أعماقك علي أبويك حين اكتشفت الحقيقة التي خفيت عنك سنين طوالا‏,‏ كما لم أعجب كذلك لعدم اقتناعك بدفاعهما المتهافت عن نفسيهما ومحاولتهما لإيهامك بأنهما كانا مغلوبين علي أمرهما مع عمك وخالتك اللذين اغتصباك منهما بالاكراه المعنوي‏.‏
فلا شيء حقا يمكن أن يقنع عقل الابنة أو الابن بأنه شيء يمكن التنازل عنه للغير بمثل هذه المبررات الواهية‏,‏ ولا شيء كذلك في الحياة كلها يمكن أن يعوضه عن احساسه الثمين بأنه ثمرة القلب بالنسبة لأبيه وأمه وانهما علي استعداد للتفكير مجرد التفكير في نبذه أو التخلي عنه‏,‏ ولعلي لهذا السبب قد أدركت حين قرأت رسالة الأب الرسمي أن بعض أسباب رفض كاتبتها للعودة إلي أحضان أبويها حين سمحت لهما ظروفهما باستردادها من جديها‏,‏ لايرجع فقط إلي اعتيادها الحياة بين جديها منذ نعومة أظافرها‏..‏ ولا فقط إلي استنامتها إلي تدليلهما لها وحنانهما عليها مما قد لايتوافر لها بنفس القدر الزائد في بيت أبويها ووسط اخوتها الآخرين‏,‏ وانما يرجع أيضا إلي رغبة عقلها الباطن في معاقبة أبويها علي تخليهما عنها في طفولتها المبكرة لجديها‏,‏ وهي رغبة قد لاتدركها هي نفسها‏,‏ لكن ذلك لاينفي وجودها ولا تأثيرها الغامض علي موقفها من أبويها بعد أن شبت عن الطوق‏,‏ فنحن نعرف أن العقل الباطن تترسب فيه الخبرات المؤلمة التي يؤلمنا تذكرها‏,‏ ونرغب في نسيانها والتخلص منها‏,‏ وهذه الخبرات قد يخيل إلينا بالفعل أننا قد نسيناها إلي أن نفاجأ بها تطل علينا بأعناقها من جديد وتدفعنا في بعض الأحيان إلي مواقف وسلوكيات لاتتضح لنا نحن أنفسنا دوافعها ومبرراتها المنطقية‏,‏ فإذا استرجعنا بعض ذكرياتها البعيدة وحاولنا الربط بين أجزائها المتناثرة وتحليلها تحليلا منطقيا‏,‏ قد تتكشف لنا بعض الدوافع التي مالت بنا لاتخاذ هذه المواقف غير المبررة لنا أو للآخرين في حينها‏.‏ وفي هذا النطاق قد اعتبر كذلك نفور هذه الفتاة من الاقامة بين أبويها واحساسها بالغربة النفسية بينها وبين اخوتها كما ذكرت في رسالتها نوعا من رد الفعل اللا ارادي لنبذهما المبكر لها في الطفولة بنبذ عاطفي مماثل لهما وهي في سن الشباب‏,‏ وكل ذلك من تداعيات هذه الرغبة الكامنة في عقلها الباطن لمعاقبتهما معنويا علي تلك الجريمة التي لايغتفرها كما قلت طفل لأبويه‏.‏
علي أي حال ياسيدتي فإن الإنسان حين يروي قصة حياته للآخرين كما فعلت في رسالتك هذه فلابد له أن يجد فيها مايسعده أن يتذكره وما يؤلمه أيضا أن يتذكره‏,‏ وأسعد الناس هم من حظوا في حياتهم بطفولة سعيدة هيأتهم للتفاعل مع الحياة علي نحو سليم‏..‏ وأسعد الناس كذلك من يستطيعون أن يقولوا ماقالته الروائية الانجليزية الشهيرة أجاثا كريستي في مقدمة مذكراتها‏:‏ لقد تذكرت ما أردت أن أتذكره وغمست قلمي في مغطس سعيد ليخرج منه بحفنة من الذكريات المحلاة بطعم السكر‏!..‏ بمعني أنها قد تذكرت مايسعدها تذكره ونسيت كل مايؤلمها أن تسترجعه فعسي أن تجعلي من حياة أطفالك كلها ترنيمة جميلة لبهجة الحياة يسعدهم حين يسترجعون ملامحها وهم كبار أن يتذكروا كل تفاصيلها الجميلة فلا يجدون فيها إلاكل مايزيدهم رضا عن أبويهم وحياتهم بين أحضانهما حتي خرجوا إلي الحياة أشخاصا أسوياء فهذا هو أفضل مايقدمه أبوان لأطفالهما‏..‏ وهذا هو أفضل مايقدمه كل أبوين للحياة بوجه عام‏..‏



















إقرأ المزيد ليست هناك تعليقات:

الدور العلوى

الدور العلوي‏!‏


أنا سيدة في الثلاثينيات من العمر‏,‏ جامعية ومثقفة إلي حد ما‏,‏ أحب القراءة والكتابة‏..‏ وتصورت في فترة من الفترات أنني سوف أصبح كاتبة‏,‏ لكن الحياة غيرت اتجاهي بعد أن تزوجت وانشغلت بحياتي العائلية‏.‏
ولقد قرأت الرسالة التي نشرت في هذا الباب منذ بضعه أسابيع بعنوان الأب الرسمي للفتاة التي ضمها جدها وجدتها إليهما منذ طفولتها فنشأت مرتبطة بهما وبعيدة عن أبيها وأمها‏,‏ ورفضت العودة للحياة بينهما وشجعها الجدان علي ذلك‏,‏ إلي أن بلغت سن الزواج وتوقعت من أبيها الرسمي أن يسهم في نفقات زواجها بقدر معقول‏,‏ فإذا بالأب يرفض المساهمة في ذلك نهائيا لأنها ابتعدت عن أبويها وكان منطقه في ذلك أنه مادام جداها قد شجعاها علي عدم العودة إليهما فليتكفلا دونه بنفقات زواجها ولقد أثارت هذه الرسالة أشجاني وأريد أن أروي لها قصتي لعلها تجد فيها بعض ما يرشدها إلي سواء السبيل‏..‏ فلقد جئت إلي الحياة لأبوين رزقا قبلي بأربع فتيات‏,‏ وتركزت كل آمالهما في أن يجيء المولود الخامس ولدا‏,‏ فاذا بي أولد بنتا فاستقبلاني بالحزن والاكتئاب‏..‏ ولأننا كنا في ذلك الوقت نعيش في بيت من دورين باحدي مدن القناة‏,‏ ويقيم في الدور العلوي من البيت عمي وخالتي وهما زوجان رزقا ببنت غير مكتملة النمو العقلي‏,‏ فلقد عرضا علي أبي وأمي أن يضماني إليهما وأنا طفلة وليدة ويتكفلا بتربيتي وتنشئتي دونهما‏,‏ لكي يحلا لأبي وأمي مشكلة طفلتهما الخامسة من ناحية‏,‏ ولأنهما‏,‏ كما أدركت فيما بعد ـ أرادا أن يربياني ويتكفلا بي فأصبح أختا لابنتهما المسكينة وأرعاها حين أكبر وأتحمل مسئوليتها من بعدهما‏.‏
وهكذا وجدت نفسي بين أب وأم وأخت مسكينة ينمو جسمها ولا ينمو معه عقلها‏..‏ ويقيم تحتنا عمي وخالتي وبنات عمي وخالتي الأربع‏,‏ ومازلت أذكر من ذكريات طفولتي حين كانت تسألني بعض السيدات اللاتي يزرن الأسرة بالطابق العلوي‏..‏ كيف حال ماما؟‏..‏ فأتعجب لماذا تسألني عن أمي وهي تجلس إلي جوارها‏!‏ وبالرغم من ذلك فلقد كان هناك شيء غامض لا أدري كنهه يجذبني إلي الطابق الأرضي الذي يقيم به عمي وخالتي وبناتهما وأشعر بحنين عجيب إليهم جميعا‏,‏ ومضت بي الأعوام والتحقت بالمدرسة ولم ألتفت كثيرا لاختلاف اسم الأب في أوراقي الرسمية عن اسمه في الحياة‏,‏ فلقد قيل لي ان اسمه في الورق هو الاسم الرسمي‏,‏ وان اسمه في الحياة هو اسم الشهرة‏,‏ فأحببت اسم الشهرة أكثر مما أحببت الاسم الرسمي‏,‏ إلي أن بلغت سن الصبا وبدأت أشعر بتغير غير مفهوم في معاملة أمي لي‏..‏ وتفاقم هذا التغير حتي بدأت أشعر بعدم حبها لي‏,‏ ولأنني لم أكن أدرك دوافع هذا التغير من جانبها تجاهي فلقد كرهتها لمعاملتها السيئة لي‏,‏ وأحببت أبي كل الحب الذي يمكن أن يتسع له قلب فتاة مثلي‏,‏ لأنه لم يتغير تجاهي بعد أن كبرت وظل يغمرني بحبه وعطفه إلي النهاية‏,‏ وخلال ذلك كانت الدنيا قد فرقت بيننا وبين أسرة عمي وخالتي وبناتهما الأربع وانتقلنا نحن للاقامة في القاهرة‏,‏ وتخرجت في كليتي وارتبطت بمن زختارني واختارته‏,‏ وبدأنا الاستعداد للزواج فإذا بأبي يصر علي أن يستأذن عمي وخالتي في زواجي وأن يحصل أولا علي موافقتهما قبل أن يعلن قبوله‏,‏ وتساءلت عن ضرورة ذلك‏,‏ فعرفت الحقيقة التي خفيت عني كل هذه السنين وهي أن هذا العم وهذه الخالة هما أبواي الحقيقيان‏,‏ وان هؤلاء الفتيات الأربع هن أخواتي‏,‏ أما هذه الفتاة المسكينة التي أعيش معها فهي ابنة عمي وابنة خالتي‏,‏ وأدركت في هذه اللحظة فقط سر تغير مشاعر من كنت أظنها أمي تجاهي بعد أن كبرت وصرت فتاة في بداية سن الشباب‏..‏ فلقد كانت الحسرة تنهش قلبها الحزين وهي تري ابنتها الحقيقية تنمو جسما وعقلها لايتجاوز عقل طفلة عمرها خمس سنوات‏,‏ في حين استوت الفتاة الأخري التي تكفلت بها شابة تجذب الأبصار‏,‏ ويشيد بها الجيران‏,‏ وانفجر بركان الغضب في قلبي تجاه أبي وأمي الحقيقيين‏..‏ كيف تخليا عني وتركاني لغيرهما حتي ولو كان هذا الغير هما عمي وخالتي؟‏,‏ ولماذا كرهاني وأنا طفلة وليدة ولا ذنب لي في مجيئي للحياة بعد أربع فتيات؟‏..‏ وراح أبي وأمي الحقيقيان يحاولان بكل جهدهما أن يبررا لي ماحدث ويؤكدان لي أنهما مظلومان مع عمي وخالتي لأنهما كانا في حاجة لابنة طبيعية بعد أن رزئا بابنتهما المسكينة‏,‏ وانهما اغتصباني منهما بالالحاح وبالاحراج والضغط النفسي عليهما‏,‏ ولم أصدق هذا التبرير ولم أقتنع به واستمر الشرخ في داخلي لفترة طويلة حتي كرهت نفسي‏,‏ وظل هذا الشرخ يفسد علي حياتي لفترة طويلة إلي أن تزوجت وتكفل بنفقات زواجي بل وبشقتي كذلك من تكفل من قبل بتربيتي وتنشئتي وهو أبي بالتربية وعمي بالصلة الرسمية‏,‏ وانشغلت بحياتي العائلية وأسرتي الجديدة عن ذكريات الماضي وأحزانه‏..‏ ولهذا فإني أقول لهذه الفتاة التي ابتعدت عن أبويها ورفضت العودة إليهما وفضلت الحياة بين جديها علي الحياة في بيت أبيها وتلوم أباها لرفضه القيام بأي دور في زواجها‏..‏ أقول لها لماذا لم تبحثي عن هذا الدور قبل الآن‏..‏ ولماذا لم تقدر احتياج أبويها إليها كما تقدر الآن احتياجها إلي أن يقوم والدها بأي دور في زواجها؟‏..‏ انك أيتها الفتاة لن تدركي عمق حزنهما لموقفك منهما إلاحين تصبحين أما وتعرفين معني الأمومة‏..‏ ولقد كان الأفضل لجديك مهما يكن حبهما لك ألايجعلا انتماءك الأول إليهما وليس لأبويك‏,‏ أما مسألة زواجك فإن من واجب جدك أن يتكفل به دون أن يزعج الأب الرسمي بذلك مادام قد شجعك من البداية علي مفارقته والبعد عنه‏,‏ ولكي يكمل المشوار الذي بدأه معك وهو القادر علي ذلك‏,‏ أم تراه يريد أن يجني العسل بغير أن يدفع الثمن؟‏..‏ لقد استأثر بك علي غير رغبة أبويك حتي ولو كانا قد رضيا في البداية بحضانته لك لانشغالهما في العمل‏,‏ لأنه حين سمحت لهما الظروف باستردادك شجعك علي عدم العودة إليهما‏..‏ ولم يقدر احتياجهما إليك‏.‏
وفي النهاية فاني أناشد كل الآباء وكل الأمهات ألايتخلوا عن أبنائهم لغيرهم مهما تكن أسبابهم لذلك‏,‏ ومهما يكن هؤلاء الغير منهم‏,‏ لأنه لاشيء يعوض الأبناء عن صحبة الأبوين ورعايتهما وحبهما لأبنائهما والسلام‏.‏

‏««‏ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏»»‏
مهما تكن دوافع الأبوين للتخلي عن أحد أطفالهما للغير حتي ولو كان أقرب الناس إليهما‏,‏ ومهما تكن ظروف الحياة المادية الأفضل التي يقدمها هؤلاء الغير للطفل‏,‏ فإنه لايغفر لأبويه أبدا حين يدرك حقائق الحياة تخليهما عنه لغيرهما‏,‏ ولا يخفف شيء مادي قدمته له حياته الجديدة من مرارة احساسه بالنبذ العاطفي من جانب أبويه‏,‏ وبأنه لم يكن مرغوبا فيه لديهما‏.‏
لهذا لم أعجب ياسيدتي حين انفجر بركان الغضب الكامن في أعماقك علي أبويك حين اكتشفت الحقيقة التي خفيت عنك سنين طوالا‏,‏ كما لم أعجب كذلك لعدم اقتناعك بدفاعهما المتهافت عن نفسيهما ومحاولتهما لإيهامك بأنهما كانا مغلوبين علي أمرهما مع عمك وخالتك اللذين اغتصباك منهما بالاكراه المعنوي‏.‏
فلا شيء حقا يمكن أن يقنع عقل الابنة أو الابن بأنه شيء يمكن التنازل عنه للغير بمثل هذه المبررات الواهية‏,‏ ولا شيء كذلك في الحياة كلها يمكن أن يعوضه عن احساسه الثمين بأنه ثمرة القلب بالنسبة لأبيه وأمه وانهما علي استعداد للتفكير مجرد التفكير في نبذه أو التخلي عنه‏,‏ ولعلي لهذا السبب قد أدركت حين قرأت رسالة الأب الرسمي أن بعض أسباب رفض كاتبتها للعودة إلي أحضان أبويها حين سمحت لهما ظروفهما باستردادها من جديها‏,‏ لايرجع فقط إلي اعتيادها الحياة بين جديها منذ نعومة أظافرها‏..‏ ولا فقط إلي استنامتها إلي تدليلهما لها وحنانهما عليها مما قد لايتوافر لها بنفس القدر الزائد في بيت أبويها ووسط اخوتها الآخرين‏,‏ وانما يرجع أيضا إلي رغبة عقلها الباطن في معاقبة أبويها علي تخليهما عنها في طفولتها المبكرة لجديها‏,‏ وهي رغبة قد لاتدركها هي نفسها‏,‏ لكن ذلك لاينفي وجودها ولا تأثيرها الغامض علي موقفها من أبويها بعد أن شبت عن الطوق‏,‏ فنحن نعرف أن العقل الباطن تترسب فيه الخبرات المؤلمة التي يؤلمنا تذكرها‏,‏ ونرغب في نسيانها والتخلص منها‏,‏ وهذه الخبرات قد يخيل إلينا بالفعل أننا قد نسيناها إلي أن نفاجأ بها تطل علينا بأعناقها من جديد وتدفعنا في بعض الأحيان إلي مواقف وسلوكيات لاتتضح لنا نحن أنفسنا دوافعها ومبرراتها المنطقية‏,‏ فإذا استرجعنا بعض ذكرياتها البعيدة وحاولنا الربط بين أجزائها المتناثرة وتحليلها تحليلا منطقيا‏,‏ قد تتكشف لنا بعض الدوافع التي مالت بنا لاتخاذ هذه المواقف غير المبررة لنا أو للآخرين في حينها‏.‏ وفي هذا النطاق قد اعتبر كذلك نفور هذه الفتاة من الاقامة بين أبويها واحساسها بالغربة النفسية بينها وبين اخوتها كما ذكرت في رسالتها نوعا من رد الفعل اللا ارادي لنبذهما المبكر لها في الطفولة بنبذ عاطفي مماثل لهما وهي في سن الشباب‏,‏ وكل ذلك من تداعيات هذه الرغبة الكامنة في عقلها الباطن لمعاقبتهما معنويا علي تلك الجريمة التي لايغتفرها كما قلت طفل لأبويه‏.‏
علي أي حال ياسيدتي فإن الإنسان حين يروي قصة حياته للآخرين كما فعلت في رسالتك هذه فلابد له أن يجد فيها مايسعده أن يتذكره وما يؤلمه أيضا أن يتذكره‏,‏ وأسعد الناس هم من حظوا في حياتهم بطفولة سعيدة هيأتهم للتفاعل مع الحياة علي نحو سليم‏..‏ وأسعد الناس كذلك من يستطيعون أن يقولوا ماقالته الروائية الانجليزية الشهيرة أجاثا كريستي في مقدمة مذكراتها‏:‏ لقد تذكرت ما أردت أن أتذكره وغمست قلمي في مغطس سعيد ليخرج منه بحفنة من الذكريات المحلاة بطعم السكر‏!..‏ بمعني أنها قد تذكرت مايسعدها تذكره ونسيت كل مايؤلمها أن تسترجعه فعسي أن تجعلي من حياة أطفالك كلها ترنيمة جميلة لبهجة الحياة يسعدهم حين يسترجعون ملامحها وهم كبار أن يتذكروا كل تفاصيلها الجميلة فلا يجدون فيها إلاكل مايزيدهم رضا عن أبويهم وحياتهم بين أحضانهما حتي خرجوا إلي الحياة أشخاصا أسوياء فهذا هو أفضل مايقدمه أبوان لأطفالهما‏..‏ وهذا هو أفضل مايقدمه كل أبوين للحياة بوجه عام‏..‏



















إقرأ المزيد ليست هناك تعليقات:

الدور العلوى

الدور العلوي‏!‏


أنا سيدة في الثلاثينيات من العمر‏,‏ جامعية ومثقفة إلي حد ما‏,‏ أحب القراءة والكتابة‏..‏ وتصورت في فترة من الفترات أنني سوف أصبح كاتبة‏,‏ لكن الحياة غيرت اتجاهي بعد أن تزوجت وانشغلت بحياتي العائلية‏.‏
ولقد قرأت الرسالة التي نشرت في هذا الباب منذ بضعه أسابيع بعنوان الأب الرسمي للفتاة التي ضمها جدها وجدتها إليهما منذ طفولتها فنشأت مرتبطة بهما وبعيدة عن أبيها وأمها‏,‏ ورفضت العودة للحياة بينهما وشجعها الجدان علي ذلك‏,‏ إلي أن بلغت سن الزواج وتوقعت من أبيها الرسمي أن يسهم في نفقات زواجها بقدر معقول‏,‏ فإذا بالأب يرفض المساهمة في ذلك نهائيا لأنها ابتعدت عن أبويها وكان منطقه في ذلك أنه مادام جداها قد شجعاها علي عدم العودة إليهما فليتكفلا دونه بنفقات زواجها ولقد أثارت هذه الرسالة أشجاني وأريد أن أروي لها قصتي لعلها تجد فيها بعض ما يرشدها إلي سواء السبيل‏..‏ فلقد جئت إلي الحياة لأبوين رزقا قبلي بأربع فتيات‏,‏ وتركزت كل آمالهما في أن يجيء المولود الخامس ولدا‏,‏ فاذا بي أولد بنتا فاستقبلاني بالحزن والاكتئاب‏..‏ ولأننا كنا في ذلك الوقت نعيش في بيت من دورين باحدي مدن القناة‏,‏ ويقيم في الدور العلوي من البيت عمي وخالتي وهما زوجان رزقا ببنت غير مكتملة النمو العقلي‏,‏ فلقد عرضا علي أبي وأمي أن يضماني إليهما وأنا طفلة وليدة ويتكفلا بتربيتي وتنشئتي دونهما‏,‏ لكي يحلا لأبي وأمي مشكلة طفلتهما الخامسة من ناحية‏,‏ ولأنهما‏,‏ كما أدركت فيما بعد ـ أرادا أن يربياني ويتكفلا بي فأصبح أختا لابنتهما المسكينة وأرعاها حين أكبر وأتحمل مسئوليتها من بعدهما‏.‏
وهكذا وجدت نفسي بين أب وأم وأخت مسكينة ينمو جسمها ولا ينمو معه عقلها‏..‏ ويقيم تحتنا عمي وخالتي وبنات عمي وخالتي الأربع‏,‏ ومازلت أذكر من ذكريات طفولتي حين كانت تسألني بعض السيدات اللاتي يزرن الأسرة بالطابق العلوي‏..‏ كيف حال ماما؟‏..‏ فأتعجب لماذا تسألني عن أمي وهي تجلس إلي جوارها‏!‏ وبالرغم من ذلك فلقد كان هناك شيء غامض لا أدري كنهه يجذبني إلي الطابق الأرضي الذي يقيم به عمي وخالتي وبناتهما وأشعر بحنين عجيب إليهم جميعا‏,‏ ومضت بي الأعوام والتحقت بالمدرسة ولم ألتفت كثيرا لاختلاف اسم الأب في أوراقي الرسمية عن اسمه في الحياة‏,‏ فلقد قيل لي ان اسمه في الورق هو الاسم الرسمي‏,‏ وان اسمه في الحياة هو اسم الشهرة‏,‏ فأحببت اسم الشهرة أكثر مما أحببت الاسم الرسمي‏,‏ إلي أن بلغت سن الصبا وبدأت أشعر بتغير غير مفهوم في معاملة أمي لي‏..‏ وتفاقم هذا التغير حتي بدأت أشعر بعدم حبها لي‏,‏ ولأنني لم أكن أدرك دوافع هذا التغير من جانبها تجاهي فلقد كرهتها لمعاملتها السيئة لي‏,‏ وأحببت أبي كل الحب الذي يمكن أن يتسع له قلب فتاة مثلي‏,‏ لأنه لم يتغير تجاهي بعد أن كبرت وظل يغمرني بحبه وعطفه إلي النهاية‏,‏ وخلال ذلك كانت الدنيا قد فرقت بيننا وبين أسرة عمي وخالتي وبناتهما الأربع وانتقلنا نحن للاقامة في القاهرة‏,‏ وتخرجت في كليتي وارتبطت بمن زختارني واختارته‏,‏ وبدأنا الاستعداد للزواج فإذا بأبي يصر علي أن يستأذن عمي وخالتي في زواجي وأن يحصل أولا علي موافقتهما قبل أن يعلن قبوله‏,‏ وتساءلت عن ضرورة ذلك‏,‏ فعرفت الحقيقة التي خفيت عني كل هذه السنين وهي أن هذا العم وهذه الخالة هما أبواي الحقيقيان‏,‏ وان هؤلاء الفتيات الأربع هن أخواتي‏,‏ أما هذه الفتاة المسكينة التي أعيش معها فهي ابنة عمي وابنة خالتي‏,‏ وأدركت في هذه اللحظة فقط سر تغير مشاعر من كنت أظنها أمي تجاهي بعد أن كبرت وصرت فتاة في بداية سن الشباب‏..‏ فلقد كانت الحسرة تنهش قلبها الحزين وهي تري ابنتها الحقيقية تنمو جسما وعقلها لايتجاوز عقل طفلة عمرها خمس سنوات‏,‏ في حين استوت الفتاة الأخري التي تكفلت بها شابة تجذب الأبصار‏,‏ ويشيد بها الجيران‏,‏ وانفجر بركان الغضب في قلبي تجاه أبي وأمي الحقيقيين‏..‏ كيف تخليا عني وتركاني لغيرهما حتي ولو كان هذا الغير هما عمي وخالتي؟‏,‏ ولماذا كرهاني وأنا طفلة وليدة ولا ذنب لي في مجيئي للحياة بعد أربع فتيات؟‏..‏ وراح أبي وأمي الحقيقيان يحاولان بكل جهدهما أن يبررا لي ماحدث ويؤكدان لي أنهما مظلومان مع عمي وخالتي لأنهما كانا في حاجة لابنة طبيعية بعد أن رزئا بابنتهما المسكينة‏,‏ وانهما اغتصباني منهما بالالحاح وبالاحراج والضغط النفسي عليهما‏,‏ ولم أصدق هذا التبرير ولم أقتنع به واستمر الشرخ في داخلي لفترة طويلة حتي كرهت نفسي‏,‏ وظل هذا الشرخ يفسد علي حياتي لفترة طويلة إلي أن تزوجت وتكفل بنفقات زواجي بل وبشقتي كذلك من تكفل من قبل بتربيتي وتنشئتي وهو أبي بالتربية وعمي بالصلة الرسمية‏,‏ وانشغلت بحياتي العائلية وأسرتي الجديدة عن ذكريات الماضي وأحزانه‏..‏ ولهذا فإني أقول لهذه الفتاة التي ابتعدت عن أبويها ورفضت العودة إليهما وفضلت الحياة بين جديها علي الحياة في بيت أبيها وتلوم أباها لرفضه القيام بأي دور في زواجها‏..‏ أقول لها لماذا لم تبحثي عن هذا الدور قبل الآن‏..‏ ولماذا لم تقدر احتياج أبويها إليها كما تقدر الآن احتياجها إلي أن يقوم والدها بأي دور في زواجها؟‏..‏ انك أيتها الفتاة لن تدركي عمق حزنهما لموقفك منهما إلاحين تصبحين أما وتعرفين معني الأمومة‏..‏ ولقد كان الأفضل لجديك مهما يكن حبهما لك ألايجعلا انتماءك الأول إليهما وليس لأبويك‏,‏ أما مسألة زواجك فإن من واجب جدك أن يتكفل به دون أن يزعج الأب الرسمي بذلك مادام قد شجعك من البداية علي مفارقته والبعد عنه‏,‏ ولكي يكمل المشوار الذي بدأه معك وهو القادر علي ذلك‏,‏ أم تراه يريد أن يجني العسل بغير أن يدفع الثمن؟‏..‏ لقد استأثر بك علي غير رغبة أبويك حتي ولو كانا قد رضيا في البداية بحضانته لك لانشغالهما في العمل‏,‏ لأنه حين سمحت لهما الظروف باستردادك شجعك علي عدم العودة إليهما‏..‏ ولم يقدر احتياجهما إليك‏.‏
وفي النهاية فاني أناشد كل الآباء وكل الأمهات ألايتخلوا عن أبنائهم لغيرهم مهما تكن أسبابهم لذلك‏,‏ ومهما يكن هؤلاء الغير منهم‏,‏ لأنه لاشيء يعوض الأبناء عن صحبة الأبوين ورعايتهما وحبهما لأبنائهما والسلام‏.‏

‏««‏ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏»»‏
مهما تكن دوافع الأبوين للتخلي عن أحد أطفالهما للغير حتي ولو كان أقرب الناس إليهما‏,‏ ومهما تكن ظروف الحياة المادية الأفضل التي يقدمها هؤلاء الغير للطفل‏,‏ فإنه لايغفر لأبويه أبدا حين يدرك حقائق الحياة تخليهما عنه لغيرهما‏,‏ ولا يخفف شيء مادي قدمته له حياته الجديدة من مرارة احساسه بالنبذ العاطفي من جانب أبويه‏,‏ وبأنه لم يكن مرغوبا فيه لديهما‏.‏
لهذا لم أعجب ياسيدتي حين انفجر بركان الغضب الكامن في أعماقك علي أبويك حين اكتشفت الحقيقة التي خفيت عنك سنين طوالا‏,‏ كما لم أعجب كذلك لعدم اقتناعك بدفاعهما المتهافت عن نفسيهما ومحاولتهما لإيهامك بأنهما كانا مغلوبين علي أمرهما مع عمك وخالتك اللذين اغتصباك منهما بالاكراه المعنوي‏.‏
فلا شيء حقا يمكن أن يقنع عقل الابنة أو الابن بأنه شيء يمكن التنازل عنه للغير بمثل هذه المبررات الواهية‏,‏ ولا شيء كذلك في الحياة كلها يمكن أن يعوضه عن احساسه الثمين بأنه ثمرة القلب بالنسبة لأبيه وأمه وانهما علي استعداد للتفكير مجرد التفكير في نبذه أو التخلي عنه‏,‏ ولعلي لهذا السبب قد أدركت حين قرأت رسالة الأب الرسمي أن بعض أسباب رفض كاتبتها للعودة إلي أحضان أبويها حين سمحت لهما ظروفهما باستردادها من جديها‏,‏ لايرجع فقط إلي اعتيادها الحياة بين جديها منذ نعومة أظافرها‏..‏ ولا فقط إلي استنامتها إلي تدليلهما لها وحنانهما عليها مما قد لايتوافر لها بنفس القدر الزائد في بيت أبويها ووسط اخوتها الآخرين‏,‏ وانما يرجع أيضا إلي رغبة عقلها الباطن في معاقبة أبويها علي تخليهما عنها في طفولتها المبكرة لجديها‏,‏ وهي رغبة قد لاتدركها هي نفسها‏,‏ لكن ذلك لاينفي وجودها ولا تأثيرها الغامض علي موقفها من أبويها بعد أن شبت عن الطوق‏,‏ فنحن نعرف أن العقل الباطن تترسب فيه الخبرات المؤلمة التي يؤلمنا تذكرها‏,‏ ونرغب في نسيانها والتخلص منها‏,‏ وهذه الخبرات قد يخيل إلينا بالفعل أننا قد نسيناها إلي أن نفاجأ بها تطل علينا بأعناقها من جديد وتدفعنا في بعض الأحيان إلي مواقف وسلوكيات لاتتضح لنا نحن أنفسنا دوافعها ومبرراتها المنطقية‏,‏ فإذا استرجعنا بعض ذكرياتها البعيدة وحاولنا الربط بين أجزائها المتناثرة وتحليلها تحليلا منطقيا‏,‏ قد تتكشف لنا بعض الدوافع التي مالت بنا لاتخاذ هذه المواقف غير المبررة لنا أو للآخرين في حينها‏.‏ وفي هذا النطاق قد اعتبر كذلك نفور هذه الفتاة من الاقامة بين أبويها واحساسها بالغربة النفسية بينها وبين اخوتها كما ذكرت في رسالتها نوعا من رد الفعل اللا ارادي لنبذهما المبكر لها في الطفولة بنبذ عاطفي مماثل لهما وهي في سن الشباب‏,‏ وكل ذلك من تداعيات هذه الرغبة الكامنة في عقلها الباطن لمعاقبتهما معنويا علي تلك الجريمة التي لايغتفرها كما قلت طفل لأبويه‏.‏
علي أي حال ياسيدتي فإن الإنسان حين يروي قصة حياته للآخرين كما فعلت في رسالتك هذه فلابد له أن يجد فيها مايسعده أن يتذكره وما يؤلمه أيضا أن يتذكره‏,‏ وأسعد الناس هم من حظوا في حياتهم بطفولة سعيدة هيأتهم للتفاعل مع الحياة علي نحو سليم‏..‏ وأسعد الناس كذلك من يستطيعون أن يقولوا ماقالته الروائية الانجليزية الشهيرة أجاثا كريستي في مقدمة مذكراتها‏:‏ لقد تذكرت ما أردت أن أتذكره وغمست قلمي في مغطس سعيد ليخرج منه بحفنة من الذكريات المحلاة بطعم السكر‏!..‏ بمعني أنها قد تذكرت مايسعدها تذكره ونسيت كل مايؤلمها أن تسترجعه فعسي أن تجعلي من حياة أطفالك كلها ترنيمة جميلة لبهجة الحياة يسعدهم حين يسترجعون ملامحها وهم كبار أن يتذكروا كل تفاصيلها الجميلة فلا يجدون فيها إلاكل مايزيدهم رضا عن أبويهم وحياتهم بين أحضانهما حتي خرجوا إلي الحياة أشخاصا أسوياء فهذا هو أفضل مايقدمه أبوان لأطفالهما‏..‏ وهذا هو أفضل مايقدمه كل أبوين للحياة بوجه عام‏..‏



















إقرأ المزيد ليست هناك تعليقات:

اللحظات العصيبة

اللحظات العصيبة‏!‏


أنا فتاة أبلغ من العمر‏27‏ عاما‏..‏ نشأت في أسرة مترابطة بين أب يعمل عملا حرا وحالته المادية ميسورة وأم ربة بيت وشقيقة تصغرني بعامين‏,‏ ولقد كانت شقيقتي الصغري هذه تفوقني دائما جمالا وخفة وحبا للناس وقبولا منهم وتملأ أي مكان توجد فيه دائما بهجة ومرحا‏,‏ كما كان لي ابن عم يكبرني بعامين يدرس بكلية الطب‏,‏ وعلي قدر كبير من الاخلاق والطيبة والرقة والوسامة‏.‏ وكان ابن عمنا هذا يزورنا كثيرا فولدت بذرة الحب الصامت داخلي تجاهه واحببته كثيرا‏,‏ لكني نجحت في كتمانه وإخفائه عن الجميع‏,‏ حين عرفت أنه حب من طرف واحد‏.‏
ومضت بنا الأيام هادئة يزورنا ابن عمي في المناسبات المختلفة ونرحب به ونجلس معه كلنا‏,‏ ويمضي الوقت بهيجا سعيدا والحب الصامت ينمو في أعماقي ويتوحش‏,‏ وأنا أكابده واجاهد لاخفائه لكيلايشعر به أحد‏..‏
الي أن فوجئت ذات يوم بأمي تبلغني بأن ابن عمي قد اتصل بأبي وحدد معه موعدا يجيء لمقابلته مع ابيه لأمر مهم‏..‏ ولم يكن ذلك أمرا مألوفا في علاقته بنا إذ كان يستطيع زيارتنا في أي وقت ويعرف الأوقات التي يوجد فيها أبي بالبيت فيأتي بلا موعد سابق‏..,‏ فخفق قلبي بشدة حين عرفت بقدومه مع ابيه لمقابلة أبي‏,‏ وتساءلت هل تكون السماء قد استجابت لدعائي فغرس الله حبي في قلبه بعد كل هذه السنوات؟‏.‏
وترقبت موعد زيارته بقلق واضطراب‏..‏ وجاء ابن عمي مع ابيه في الموعد المحدد وصافحت عمي وصافحته ثم دخل الجميع الي الصالون‏,‏ واختلوا ببعضهم البعض لفترة من الوقت‏,‏ وقلبي يكاد يقفز بين ضلوعي من سرعة الخفقان‏,‏ ثم خرجت أمي من الصالون وهي تطلق زغرودة مدوية‏,‏ فكدت أفقد الوعي من الفرحة‏.‏ وقبل ان انطق بأية كلمة أو أسألها عن سبب ابتهاجها‏,‏ فوجئت بها تقول لي أنا وشقيقتي ان ابن عمنا قد قرأ الفاتحة مع أبي وطلب يد‏..‏ اختي‏!‏ وانفجرت دموعي بغير وعي مني علي الفور‏,‏ وتوجهت لأختي بالتهنئة وأنا في شدة الاضطراب وأنا لا ادري بما أقول أو أفعل‏,‏ ولا أعرف هل أدركت شقيقتي وأمي حقيقة مشاعري في هذه اللحظة العصيبة أم ان ابتهاجهما بالخبر قد غطي لديهما علي كل شيء آخر‏..‏ لكن الموقف قد انقضي الي حال سبيله علي اية حال‏,‏ وفسر الجميع دموعي علي انها دموع الفرح والابتهاج لأختي الحبيبة‏,‏ وفي الأيام التالية لذلك جاهدت نفسي كثيرا لكيلا تبدو علي آثار الصدمة والحزن وخيبة الأمل‏,‏ لكني بالرغم من ذلك وجدت نفسي استسلم لنوبات متتالية من الحزن والاكتئاب‏,‏ وأميل للعزلة والانطواء‏,‏ وأفقد اهتمامي بالحياة وكل الأشياء‏,‏ وخلال ذلك تقدم لي أكثر من شاب يريد الارتباط بي‏,‏ وكلما تقدم لي أحدهم أجد نفسي تلقائيا أعقد مقارنة بينه وبين حبيبي‏..‏ أو خطيب أختي الحبيبة فتنتهي المقارنة دائما لغير صالحه‏,‏ وأرفضه للفارق الشاسع بينه وبين المثال الذي أحببته وأردته لنفسي‏!.‏
وتخرج خطيب أختي في كليته وعمل بأحد المستشفيات الاستثمارية‏..‏ وتحدد موعد الزفاف وكادت أختي تطير فرحا بعريسها‏,‏ وتكاد تمشي فوق السحاب‏..‏ وأقيم حفل الزفاف‏,‏ وكان جميلا وبهيجا‏,‏ والفرحة تظل الجميع خلاله وانتقلت أختي إلي بيت الزوجية‏,‏ وراحت تنهل من نهر السعادة الذي وهبته لها الأقدار مع زوجها‏,‏ وبعد عام من الزواج رزقت بطفل جميل يجمع بين وسامة ابيه وذكاء أمه وخفتها‏,‏ وطارت أختي من السعادة بزوجها وطفلها الجميل وحياتها الموفقة‏,‏ ودرج الطفل علي الأرض ودخل عامه الثالث وأصبح بهجة العائلة كلها‏.‏
وفي صيف العام الماضي رافقت أختي وزوجها وطفلها الي المصيف لقضاء بضعة أيام‏..‏ وذات صباح خرجت الأسرة السعيدة من البيت وأنا معهم يتقدمنا زوج أختي حاملا الشمسية‏,‏ وأنا وأختي وطفلها من خلفه فعبر ابن عمنا الطريق قبلنا وتوقفنا ونحن ننتظر خلوه من السيارات فإذا بالطفل الصغير ينفلت من بين أيدينا لكي يلحق بأبيه ويهرول ناحيته‏,‏ ورأت أختي سيارة مسرعة تتجه نحوه فانطلقت إليه كالسهم لإنقاذه وإبعاده عن الخطر‏..‏ ودفعته بالفعل بعيدا عن السيارة لكنها لم تنج للأسف منها‏,‏ وانما اصطدمت بها صدمة مروعة وسالت دماؤها علي الطريق وتحولت البهجة الي حزن أليم‏..‏ ونقلت اختي الي المستشفي في حالة خطيرة‏..‏ لكن القدر لم يمهلها طويلا فاسلمت الروح بعد قليل وكان آخر مانطقت به هو كلمات توصيني بها بطفلها الصغير‏..‏ ثم صعدت انفاسها الطاهرة الي السماء يرحمها الله‏..‏ ويخيم الحزن علي حياتنا جميعا‏,‏ وتجف دموعنا من كثرة البكاء‏.‏ وتعتزل أمي الحياة والناس‏..‏ لفترة طويلة وتغلق عليها غرفتها بالأسابيع رافضة ان تغادرها أو تستقبل فيها أحدا‏..‏ وتصر علي ألا يضاء مصباح واحد في بيتنا الحزين‏.‏ ويمضي عام طويل ثقيل علي هذه المأساة المؤلمة التي غيرت كل شيء في حياتنا‏.‏
ثم يجيء زوج أختي منذ فترة قصيرة ليطلب يدي من أبي ويبرر طلبه له بحرصه علي ألا ينشأ ابنها بين أحضان غريبة‏.‏
ويعده أبي بأن يفاتحني في الأمر لكنه لايقوي علي ذلك ويكلف أمي بهذه المهمة‏,‏ فتبلغني برغبة زوج شقيقتي‏..‏ وتسألني عن رأيي فيه فلا أعرف بماذا اجيبها‏,‏ ولا أعرف هل أنا سعيدة بهذا الطلب أم حزينة له‏..‏ لأنه لايجيء إلا كأثر لهذه المأساة الأليمة‏.‏
لقد وعدت أمي بالتفكير في الأمر‏,‏ لكني لم أنس حتي الآن وجهها الحزين وهي تعرضه علي‏,‏ ولا دموعها الغزيرة وهي تحدثني بشأنه‏,‏ ومازلت حائرة في أمري حتي الآن‏..‏ ولم استطع الرد علي أمي بموقف محدد فبماذا تنصحني ياسيدي؟

‏««‏ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏»»‏
من أسوأ مايفعله الانسان بحياته هو ان يتكتم رغباته الحقيقية‏..‏ ويتجنب التعبير عنها بكل الوسائل ويكابدها في أعماقه وحده‏.‏ فيشتد ضغطها عليه في بعض الأحيان‏..‏ ويحاول هو من جانبه ان يتخفف من هذا الضغط فيجد نفسه لا اراديا يندفع الي إنكار هذه الرغبات ونفيها ويتمادي في ذلك أحيانا الي حد ابداء الرغبات المعاكسة لها‏,‏ ومحاولة اقناع نفسه والآخرين بانها هي الرغبات الحقيقية له وليست تلك التي يتحرج من اعلانها والاعتراف بها‏!‏
وأحسب أن هذا هو ماتفعلينه الآن بنفسك ياآنستي وماتكررين به نفس الخطأ القديم الذي ساهم في تعقيد هذه المشكلة منذ البداية‏.‏ فلقد كنت تكابدين حبك الصامت لابن عمك من قبل ان يبدي رغبته في الارتباط بشقيقتك الراحلة يرحمها الله‏..,‏ ولم يكن من العسير عليك في ذلك الوقت ان تشعري أقرب الناس اليك وهما والدتك وشقيقتك الراحلة باهتمامك بأمره حتي ولو لم يكن لذلك من أثر علي تغيير موقفه منك‏..,‏ إذ كان ذلك في حد ذاته كفيلا بتفادي الكثير من اللحظات العصيبة التي كابدتها خلال فترة تقدمه لطلب يد شقيقتك وبعدها وربما كان قد ادي الي تحفظ شقيقتك في قبول الارتباط به مراعاة لمشاعرك وتجنبا لايلامك‏,‏ وسياق القصة لا يوحي من الأصل بأنه كانت ثمة قصة حب عميق قد جمعت بينهما قبل الزواج ويكاد يؤكد ان الامر لم يكن يتعدي حدود التقارب المألوف بين شباب العائلة الواحدة في سن الزواج‏,‏ وفي مثل هذه الظروف لم يكن من العسير علي اخت بارة بشقيقتها ان ترفض شابا اعجبت به اذا علمت بحب شقيقتها له‏..‏ فإن لم تذهب الي حد ذلك‏,‏ فلقد كان من الممكن علي الأقل ان يراعي الجميع مشاعرك عند قبولها الارتباط به‏,‏ وان تتجنب والدتك علي سبيل المثال ان تصدم مشاعرك صدمة هائلة وأنت تترقبين سماع نبأ طلبه ليدك فإذا به يطلب يد أختك‏.‏
لكن آفة الانسان في بعض الاحيان هي تكتم احاسيسه ورغباته حتي عن أقرب الناس إليه‏,‏ ولو صارحهم بها أو اكتفي حتي بالاشارة المتحفظة إليها لربما استطاعوا إعانته علي التعامل معها‏..,‏ وتفادوا إيلامه من حيث لايريدون‏.‏
وماأكثر الآلام واللحظات العصيبة التي ماكان المرء ليكابدها لو كان قد اعتمد في حياته اسلوب الصراحة في المشاعر والرغبات بغير ان يخجل منها ويتكتمها عن الآخرين وكأنها من الخطايا والآثام‏!‏
وماأكثر ماتذكرني بعض مواقف الحياة المماثلة بما قاله الروائي الفرنسي الراحل البير كامي في تقديمه لروايته الشهيرة سوء تفاهم من أنه‏:‏ ـ لو أن كلمة واحدة قد قيلت لما وقعت هذه المأساة‏!‏ لكن آفة الانسان انه قد لاينطق أحيانا بالكلمة التي تجنبه الآلام والمعاناة في الوقت المناسب‏!‏
وهاأنت تكررين الآن ياآنستي هذا الخطأ البشري القديم‏!‏
وتتظاهرين أمام نفسك قبل الآخرين‏,‏ بالتردد أمام قبول طلب ابن عمك الارتباط بك‏,‏ وتفضلين انكار رغباتك الحقيقية ونفيها الي حد التظاهر امام النفس بعدم الرغبة فيها‏,‏ ففيم كل هذا العناء ياآنستي‏..‏ وإلام تستمرين في التظاهر بعكس ماترغبين وماتشعرين به؟
لقد وقعت المأساة ولم يكن لك شأن في وقوعها‏..‏ ولا كان بمقدورك لوأردت ذلك ان تمنعيها‏,‏ وزوج شقيقتك الراحلة لن يمضي بقية حياته أرمل مترهبا بلا زواج وبلا زوجة تشاركه رعاية طفله الصغير‏,‏ وأنت لا تتوجهين بمشاعرك الي أحد سواه وترغبين في الارتباط به‏,‏ ومازال هو يحتل في قلبك وفي اعماقك نفس المكانة التي كانت له منذ قديم الزمان‏,‏ فماذا يمنعك من الارتباط به ورعاية طفل شقيقتك الصغير معه‏,‏ وإعانة أبويك ونفسك قبل الجميع علي الخروج من ظلام هذه المأساة العائلية الحزينة؟
ان رفضك للارتباط بزوج شقيقتك لن يغير من حقائق الحياة شيئا ولن يعيد الراحلة العزيزة الي دنيا الأحياء مرة أخري للأسف‏,‏ كما أن قبولك له علي الناحية الأخري لن يغير من الأمر الواقع شيئا ان لم يخفف الكثير والكثير من آثاره المؤلمة علي أبويك والطفل الصغير ووالده ونفسك‏.‏
ولهذا فإن ترددك أمام مطلب ابن عمك ليس في حقيقته سوي رد فعل لا ارادي للخجل النفسي الداخلي في اعماقك من ان تظهري أمام نفسك وكأنك قد استفدت ـ معاذ الله ـ من رحيل شقيقتك عن الحياة في تحقيق أمنيتك القديمة في الارتباط بمن احببته حبا صامتا طوال السنين‏..‏
لكن الحوار المنطقي الهاديء مع النفس كفيل بان يعينك علي التغلب علي هذا الخجل النفسي‏,‏ وعلي التسليم بأن قبولك للارتباط بابن عمك لا يتعارض مع حزنك الصادق علي رحيل شقيقتك عن الحياة ولا يعد خيانة للمشاعر الأخوية الصادقة التي جمعت بينكما‏..‏
ولهذا فلا مبرر للرفض ولا التردد حتي ولو كنت قد استسلمت خلال السنوات الماضية وفي بعض اللحظات لأحلام اليقظة التي كثيرا ماتراودنا وتجمعنا في دنيا الخيال الوردية مع من تحول دوننا ودونهم الأسباب والمقادير‏..‏ فمن رحمة ربنا بنا أنه لايحاسبنا علي الأمنيات الصامتة ولا علي أحلام اليقظة حتي ولو تعارضت مع الأعراف والتقاليد‏,‏ مادمنا لانفعل شيئا عمليا ييسر تحقيق هذه الأمنيات أو يقربها من دنيا الواقع‏.‏
وأنت لم تفعلي شيئا‏..‏ لتحقيق امنيتك القديمة‏..‏ أو للتعبير عنها ثم شاءت الاقدار التي لا راد لها ان تحولها الي واقع‏..‏ وان تيسر الطريق اليها في ظروف درامية لا شأن لبشر بها فماذا يمنعنا من القبول بها‏..‏ حتي ولو تحفظنا رعاية لمشاعر الآخرين في اعلان ترحيبنا بها‏..‏ والابتهاج لها‏!‏
اننا ننصح من تواجه مثل هذا الموقف الذي تواجهينه الآن بألا تقبل بالارتباط بزوج شقيقتها الراحلة لمجرد الحرج العائلي الذي يفرض عليها رعاية اطفالها من بعدها‏,‏ إذا كانت تخطط لحياتها مع انسان آخر ترغب في الارتباط به‏..‏ أو إذا كانت لا تستشعر مجرد القبول النفسي لزوج الشقيقة الراحلة‏.‏
وهذان الشرطان غير قائمين في حالتك ياآنستي‏..‏ فلست تخططين لحياتك مع انسان آخر ترغبين فيه‏,‏ ولست أيضا تنفرين من زوج شقيقتك الراحلة وانما علي العكس من ذلك‏,‏ ترغبين فيه وتكنين له أعمق المشاعر‏,‏ لكنك فقط تخجلين من الاعتراف لنفسك بذلك‏..‏ وتستشعرين الحرج الانساني والعائلي المفهوم في ابداء هذه المشاعر‏..‏ وهذه الرغبة فماذا يحول بينك وبين اسعاد القلوب الحزينة من حولك وأولها قلبك أنت بالارتباط به‏..‏ واحتضان طفله الصغير الحائر؟



















إقرأ المزيد ليست هناك تعليقات:

اللقب الجميل

اللقب الجميل‏!‏


أتابع بريدك منذ فترة‏,‏ وقد لاحظت في الآونة الأخيرة بعض الملاحظات التي آلمتني فآثرت أن أكتب إليك بتجربتي عسي أن يستفيد بها البعض ممن استحكمت الغشاوة علي أعينهم فأنكروا نعمة الله التي يغبطهم عليها الكثيرون‏.‏ فلقد آلمتني صرخات بعض الأبناء في رسائلهم اليك فقد تخلي آباؤهم عن مسئولياتهم المادية والمعنوية تجاههم‏..‏ وآلمني ما قرأته في رسائل أخري من استسهال بعض الآباء للطلاق كحل لمشاكلهم مع زوجاتهم‏,‏ وكأن الطلاق الذي شرعه الله في حالة استحالة العشرة قد أصبح رخصة مباحة لكل من يشاء دون النظر لعواقبها الوخيمة علي الأبناء‏,‏ كما آلمتني الرسائل التي تتحدث عن زوجات يتخلين عن أبنائهن إرضاء لاهوائهن أو يدبرن الخطط المحكمة لافتعال الخلافات مع الأزواج والحصول علي الطلاق منهم والزواج من آخرين متخليات بذلك عن أبنائهن‏,‏ ولكل هؤلاء الذين أثار حنقي عليهم تخليهم عن أبنائهم بلا عناء أروي قصتي عسي أن يعودوا لصوابهم ويشكروا نعمة الله التي أنعمها عليهم من الأبناء‏.‏
فأنا سيدة في الثامنة والأربعين من عمري تزوجت منذ عشرين عاما من رجل فاضل‏,‏ لكن الله سبحانه وتعالي لم يمن علينا بالانجاب‏,‏ وبعد عدة سنوات من المحاولات المستميتة والعلاج قررنا أن نخوض تجربة الأنابيب وباءت كل محاولاتنا معها بالفشل‏,‏ واستسلمنا لاقدارنا‏,‏ لكن امومتي ظلت تلح علي وتبحث عن مخرج لافراغ شحنتها الدافئة في طفل احتضنه ويناديني بالكلمة الجميلة ماما‏,‏ وكان زوجي كذلك يكتم عني رغبته المماثلة واستشعرها في نظرته المحرومة وحنانه الجارف لكل طفل من أبناء الجيران أو المعارف‏,‏ ففكرت جديا في أن أرعي طفلا يتيما لكني خشيت عرض هذه الفكرة علي زوجي تحسبا لردود أفعاله تجاهها‏..‏ ثم استجمعت شجاعتي ذات يوم وعرضتها عليه فرحب بها‏,‏ وذهبنا الي احدي دور الايتام واخترنا الطفل معا وتحملنا الاجراءات المريرة الطويلة لرعاية أحد الأطفال وفزنا في النهاية باللحظة الجميلة التي اصطحبنا فيها طفلنا الي بيتنا الحبيب‏,‏ وبدأت استمتع بممارسة أمومتي له واستمتع بمراحل نموه وصخبه الجميل والتمعن في وجهه البريء‏,‏ وحكايات ما قبل النوم التي أحكيها له‏,‏ أما زوجي فقد راح يشتري له كل ما يصادفه من لعب جميلة وملابس أنيقة وأطعمة غالية كنا نضن بها علي أنفسنا من قبل لنوفر تكاليف إجراء تجارب الأنابيب‏,‏ وأصبح للحياة في أسرتنا مذاق مختلف وطعم آخر‏.‏
وجاء اليوم الذي سيلتحق فيه صغيري بالمدرسة لأول مرة فأقدمت علي خطوة مصيرية في حياتي‏..‏ وتخليت بلا تردد عن منصبي القيادي والمرتب المغري الذي كنت أتقاضاه من وظيفتي ويغبطني عليه الآخرون‏,‏ وتفرغت لرعاية طفلي الحبيب وزوجي وبيتي‏,‏ وأصبحت متعتي الأولي في الحياة هي أن أوصله الي المدرسة ثم أجلس أمام بوابتها حتي ينتهي اليوم المدرسي ونرجع إلي بيتنا معا‏,‏ ولم أهتم بتعليقات الآخرين ولاتهامهم لي بتدليل طفلي هذا تدليلا زائدا‏,‏ ولم يعكر صفو حياتي سوي تعليقات بعض أهل زوجي الجارحة حتي كرهت زيارتهم لي‏,‏ ولم يجد زوجي ما يفسر به ماحدث لأن هذه التعليقات كانت تقال أمامي في غيابه وليس في حضوره لعلمهم بحبه الجارف لي‏..‏ حتي جاء اليوم الذي طلبت فيه من زوجي أن يسرحني باحسان ليتزوج بمن تحقق له رغبة أهله في انجاب طفل من صلبه كما نصحه بذلك بعض أهله‏.‏ وفوجئت بزوجي يقول لي انه اذا كان قد فكر في ذلك من قبل بالفعل‏..‏ فانه لايستطيع التفكير فيه الآن ليس فقط من أجلي‏..‏ وانما أيضا من أجل هذا الطفل البريء كذلك‏,‏ لأنه رجل مسئول عن قراراته واختياراته‏,‏ وقراره بكفالة الطفل اليتيم‏,‏ لم يكن يقتصر علي كفالته من الناحية المادية فقط‏,‏ وانما يشمل أيضا كفالته من الناحية المعنوية والاجتماعية وتوفير الأمان النفسي والأسرة المستقرة له‏..‏ وإلا فلن يكون جديرا باللقب الحبيب بابا الذي يسمعه منه‏,‏ ودمعت عيناي حبا وفرحا وسعادة بزوجي وحياتي حين سمعت منه ذلك‏,‏ وتقبلت اتهامه لي بالحساسية تجاه تعليقات ذويه وربطها في ذهني دائما بعدم الانجاب في حين أن العلاقة بين الحماة وزوجة الابن لاتخلو في أحيان كثيرة من مثل هذه الملاحاة سواء كانت الزوجة قد أنجبت أم لا تنجب‏,‏ وحاولت بالفعل مغالبة هذه الحساسية وعدم السماح لها بافساد حياتنا‏..‏ واستوعب زوجي صراعاتي النفسية بفهم كبير‏,‏ ووجدته يتخلي عن عصبيته المعهودة في كثير من الأحيان ويحتوي انفعالاتي الي أن زالت مخاوفي بالفعل من أن يتأثر ذات يوم بنصائح ذويه له بالزواج من أخري‏,‏ وانعكس شعوري بالأمان النفسي مع زوجي علي طفلي الجميل بكل جوانبه الايجابية‏,‏ وأريد أن أسأل الآن هؤلاء الذين يتخلون عن أبنائهم ويتنصلون من مسئولياتهم المادية والمعنوية عنهم‏..‏ كيف لأب تنصل من مسئولياته تجاه ابنه ان يستسيغ طعاما أو شرابا دون أن يفكر في حال ابنائه؟ وكيف لأم أن تسعي وراء أهوائها ورغباتها ضاربة عرض الحائط باحتياجات أبنائها النفسية اليها؟
إن هؤلاء الآباء والأمهات الذين لا يستحقون اللقب الجميل للأب والأم لو كانوا قد استشعروا آلام إجراء تجارب الأنابيب النفسية والبدنية جريا وراء أمل ضعيف في الانجاب‏..‏ لشعروا بتفاهة كل شيء في الحياة الي جوار نعمة الأبناء‏.‏
فماذا يعني مفهوم الزواج بالنسبة اليهم؟ أهو مجرد اشباع قانوني للغرائز؟ أم هو شركة عظيمة لا يجوز تصفيتها إلا برغبة كل الشركاء فيها وهي لاتتكون من الزوجين فقط وانما من الأبناء أيضا؟ انني بكل ما يحتويه قلبي من حب لطفل لم يحمله رحمي أشعر بالتقزز من مشاعر أمثال هؤلاء الآباء والأمهات الذين لايستحقون ألقابهم‏,‏ وأرجو أن تعيدهم كلماتي وتجربتي الي رشدهم ويشكروا نعمة الله عليهم ليس باللسان فقط وإنما بالافعال وبرعاية أبنائهم وعدم التخلي عن مسئولياتهم وعدم اللهاث وراء الشهوات والرغبات بعيدا عنهم‏..‏ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته‏.‏

‏««‏ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏»»‏
‏ بعض الآباء والأمهات ممن لايستحقون ألقابهم ينطبق عليهم المثل الألماني الذي يقول‏:‏ من أتجر في الزهور لم يشم رائحتها‏!‏
بمعني ان من يجد الزهور حوله كل يوم قد يضعف احساسه بجمالها‏,‏ وتتحول بالنسبة اليه الي بضاعة كغيرها من البضائع التي لا يعز عليه فراقها‏..‏ بل لعله يجد في بعدها عنه ما يحقق له المصلحة المرجوة منها‏..‏ وهي التخلص منها بالبيع‏!‏
وفي حالة أمثال هؤلاء الآباء والأمهات فإن ضعف الاحساس بالواجب الانساني تجاه الأبناء لديهم‏,‏ وضعف ادراكهم لنعمة الله الجليلة عليهم بهؤلاء الأبناء قد لايرجع أساسا الي حكم الاعتياد علي وجودهم في حياتهم بلا عناء ولا تجارب أنابيب مرهقة ومكلفة ومؤلمة‏,‏ وانما أيضا الي عامل جوهري آخر هو ضعف الاحساس بالواجب الاخلاقي والانساني لديهم تجاه هؤلاء الأبناء‏,‏ والي العجز عن ادراك قيمة الثروة الانسانية الجليلة التي خصهم الله سبحانه وتعالي بها دون غيرهم ممن شاءت لهم ارادته العليا الحرمان منها‏.‏
أما تساؤلك المرير‏:‏ كيف لأب تخلي عن مسئولياته تجاه أبناءها أو لأم هجرت أبنائها جريا وراء أهوائها ان ينعما بحياتهما بعيدا عن هؤلاء الأبناء وبغير أن ينغصها عليهما تصورهما لحال أبنائهما من بعدهما‏,‏ أو افتقادهما لهم‏..‏ فلعلي أحاول الاجابة عليه بان احدثك قليلا عن مفهوم الضمير كما حاول الفلاسفة تعريفه‏..‏ فالمقصود بالضمير ياسيدتي هو قدرة البشر علي التمييز بين الحق والباطل‏..‏ وهو شيء فطري في الانسان لكنه يتأثر بالوسط الذي ينشأ فيه‏,‏ فبعض الناس ـ علي سبيل المثال ـ لايشعرون بالخجل لكشف أجزاء من أجسامهم‏,‏ بينما يشعر آخرون بالخجل لكشفها‏,‏ لكن معظم الناس في مقابل ذلك يستشعرون تأنيب الضمير وعدم الارتياح اذا هم ألحقوا الأذي بالآخرين‏,‏ غير أن امتلاك الانسان للضمير شيء واستعماله شيء آخر‏,‏ ولهذا فلقد شبه مؤرخ الفلسفة النرويجي يوستن جاردر الضمير بعضلة من عضلات الجسم‏..‏ ان لم يستخدمها المرء كثيرا ضعفت وذوت وكذلك ضمير الانسان ياسيدتي فإنه ان لم يستعمله الإنسان منذ الصغر ولم يحتكم اليه في كل تصرفاته واختياراته وقراراته فانه يذوي ويضعف ويقل تأثيره علي سلوكيات الإنسان‏,‏ تماما كما تضعف اليد التي يهملها صاحبها ولا يستخدمها بنفس الكثرة التي يستخدم بها يده الأخري‏..‏
ولعل في هذا التشبيه ما يفسر لنا لماذا نصف دائما الأشخاص الأمناء مع الحياة ومع البشر بأنهم من أصحاب الضمائر الحية‏..‏ ونصف غيرهم ممن لا يرون أي قيود أخلاقية علي تصرفاتهم بأنهم من أصحاب الضمائر الميتة‏.‏
فكلا الفريقين لهم ضمائرهم لكن بعضهم قد استخدها وأحسن استخدامها فتجددت خلاياها وقويت سطوتها وتأثيرها علي حياته‏,‏ وبعضهم أهملها فضعف أثرها علي حياتهم وحياة من يتعاملون معهم للأسف‏,‏ وأولهم الأبناء وشركاء الحياة‏..‏ والمسألة في البداية وفي النهاية تتمثل في الضمير الأخلاقي ودرجة يقظته وحيويته أو العكس‏..‏
كما تتمثل أيضا من جانب آخر في قوة البصيرة أو ضعفها‏..‏
وهذه البصيرة هي التي تعين الإنسان علي التمييز بين ما يستحق أن يشقي للحفاظ عليه والاستمساك به والدفاع عنه‏..‏ وما لا يستحق منه كل ذلك اذا كان الثمن الباهظ له هو التخلي عن أبنائه‏.‏
والحكيم الصيني القديم لو ـ تسو يقول لنا ان رؤية الأشياء الصغيرة بصيرة‏!‏
فكيف بمن لا يرون الأشياء الكبيرة في حياتهم ولا يعرفون لها قدرها‏..‏ ولا يشكرون ربهم الذي أنعم عليهم بها؟
لقد رأيت أنت هذه الأشياء بفطرتك السليمة وقلبك الرحيم وبصيرتك الحكيمة‏..‏ وعرفت الشوق اليها فأدركت كم هي غالية وثمينة ولا يعدلها شيء آخر في الحياة‏.‏
فهنيئا لك ذلك اللقب الجميل الذي تستحقين عن جدارة كل حرف من حروفه‏,‏ وهنيئا لك بزوجك المحب الأمين الذي يستشعر مسئولياته الانسانية ويتحمل تبعات قراراته واختياراته‏,‏ وهنيئا للحياة بأمثالكما من أصحاب الضمائر الحية والقلوب الحكيمة والعطاء الدافق لأمثال هذا الطفل المحروم




إقرأ المزيد ليست هناك تعليقات:

اليوم السابع

اليوم السابع‏!‏


أنا شابة في الثالثة والعشرين من عمري‏,‏ ارتبطت وأنا في السادسة عشرة عاطفيا بشاب يكبرني بعشر سنوات‏,‏ وخلال هذا الارتباط سافر الي فرنسا في بعثة للحصول علي الدكتوراه في القانون التجاري‏,‏ ورجع بعد ثلاث سنوات ظافرا بها ومقيما علي الحب الذي جسم بيننا فازداد فخري به واعتزازي بتدينه وثقافته الراقية واحساسه المرهف‏,‏ ثم تمت خطبتنا وأنا طالبة بالسنة الأولي بكلية الاقتصاد المنزلي‏,‏ واستمرت الخطبة عامين توثقت خلاله روابطنا أكثر فأكثر ثم تم عقد القران في حفلة جميلة‏,‏ وبعدها بأربعة أشهر توجنا قصة الحب الطويلة بالزفاف في حفلة أخري نالت اعجاب الجميع‏..‏
وبدأنا حياتنا الزوجية معا وأنا في الحادية والعشرين من عمري‏,‏ ومن اليوم الأول أدركت انني قد تزوجت من رجل تتمناه كل فتاة في مثل سني‏,‏ وعاهدت نفسي علي أن أهبه كل مافي طاقتي من حب وحنان‏,‏ ودعوت الله أن يعينني علي ذلك وان يشملنا برعايته ليكون بيتنا قائما دائما علي الود والتفاهم‏..‏
والحق أني قد شعرت بانني أعيش في حلم جميل من اليوم الأول الذي تفتح فيه وعيي للحياة‏,‏ فلقد حظيت دائما بحب أبي وأمي وأخوتي‏,‏ ونشأت في بيت يسوده الوئام‏..‏ وتتعاون فيه أمي مع أبي في كل شيء حتي في مجال عملهما الذي يتشاركان فيه‏..‏
فكان تساؤلي دائما هو‏:‏ هل تستمر الحياة وردية اللون هكذا‏,‏ كما بدت لي طوال السنوات الماضية؟ ولم يتأخر الجواب عني كثيرا فبعد ستة أيام من الزفاف الجميل والسعادة الصافية‏..‏ ارتفعت درجة حرارتي وزرت الطبيب فشخص حالتي بانها التهاب في المثانة ووصف لي العلاج وفي اليوم السابع صحوت من نومي وأنا أشعر بتنميل غريب في قدمي الاثنتين‏..‏ فظننته في البداية تنميلا عاديا كالذي نشعر به حين نضغط لبعض الوقت علي إحدي القدمين‏..‏ فينحبس الدم فيها‏,‏ ونفقد الشعور بها جزئيا الي ان تنشط الدورة الدموية فيها مرة أخري‏,‏ لكن التنميل استمر‏..‏ وازداد‏..‏ وحاولت النهوض فشعرت بعدم قدرتي علي الحركة‏..‏ واتصلت تليفونيا بأمي لاشكو لها ما أشعر به فهرولت الي ومعها والدة احدي صديقاتي وهي طبيبة ففحصتني باهتمام ثم ظهرت عليها علامات الانزعاج ووجدتها تطلب من أبي وأمي وزوجي نقلي علي الفور الي مستشفي عين شمس التخصصي‏,‏ لانها اكتشفت اصابتي بفيروس في النخاع الشوكي‏,‏ وهو مرض إذا اصاب الجسم فانه يبدأ بفقد الاحساس في الاطراف السفلي ثم يتصاعد فيه الي ان يصل الي المخ‏..,‏ ونتائجه تتراوح بنسب متكافئة بين الشلل التام لكل الجسم أو الموت أو الشفاء منه بعد عناء طويل وعلاج مضن‏.‏
وتم نقلي علي الفور الي المستشفي وخلال وجودي في حجرة الاستقبال بالمستشفي في انتظار نقلي الي حجرتي اقترب مني زوجي وأنا في شدة الخوف والاضطراب‏..‏ ثم همس في أذني ببضع كلمات يحثني فيها علي الصبر والتحمل‏..‏ والشجاعة‏,‏ ويقول لي إن هذه هي أول شدة تواجهنا معا‏,‏ وسوف نصمد لها ونجتازها بالصبر والتحمل والايمان‏..‏ فهدأت نفسي بعض الشيء‏,‏ وامتثلت لأقداري وأمضيت الليلة الثامنة لي بعد الزفاف في المستشفي‏..‏ وليس في عش الزوجية‏..‏ وبدأ علاجي علي الفور بالكورتيزون ولمدة‏5‏ أيام متصلة علي مدي‏24‏ ساعة‏..,‏ وأمي تبكي وأبي ينطق وجهه بالألم‏..‏ وإخوتي مضطربون‏..‏ وزوجي يحاول التماسك أمامي ولا يكف عن تشجيعي وشد أزري‏..,‏ والأطباء يقولون لي ان الاكتشاف المبكر لحقيقة المرض سوف يساعد باذن الله علي تحقيق نتائج طيبة للعلاج‏.‏
ومضت أيام المستشفي ثقيلة وطويلة‏..‏ وذات يوم وجدت أصبعا في قدمي اليمني تتحرك فبكيت لأول مرة منذ داهمتني هذه المحنة‏..‏ ونبهت الطبيب اليه فسعد بذلك جدا‏,‏ وقال لي إن هذا دليل علي وجود حياة بالعصب‏,‏ وعلي أن العلاج بالكورتيزون قد بدأ يؤتي أثره‏.‏
وبالرغم من الاعياء الذي كنت أشعر به من تأثير الأدوية المستمرة‏,‏ فقد وجدت في نفسي رغبة قوية في الاستذكار وأداء امتحان السنة الثالثة بكليتي‏,‏ وحاول أبي وأمي اقناعي بالاعتذار عنه فرفضت ذلك وقلت لهما إنني إذا كنت قد فقدت الاحساس بقدمي وساقي فإني لم أفقد الاحساس بيدي وذراعي ومازال عقلي بخير‏..‏ وأيدني زوجي في هذا القرار‏,‏ وبدأت وأنا في المستشفي في الاستعداد للامتحان وراح زملائي وزميلاتي بالكلية يمدونني بكل ماأحتاج اليه من كتب ومذكرات‏..‏ وخلال وجودي بالمستشفي جاء عيد الأضحي‏..‏ وشاهدت في التليفزيون الحجيج وهم يطوفون بالكعبة المشرفة‏..‏ فتذكرت يوم طفت حولها علي قدمي مثلهم‏..‏ وكيف قبلت فيها الحجر الأسعد‏..‏ فانهمرت دموعي بغزارة وبكيت طويلا‏,‏ وراح من حولي يحاولون التخفيف عني‏..‏
ثم جاء يوم خروجي من المستشفي‏..‏ وبالرغم من انني غادرته فوق كرسي متحرك إلا انني كنت سعيدة لانني سأرجع الي بيتي ومملكتي التي لم أهنأ بها سوي أسبوع واحد‏..,‏ ورغبت أمي ان انتقل من المستشفي الي بيت اسرتي لكي ترعاني وتمرضني وتشرف علي علاجي الذي سيطول شهورا وشهورا الي ان يأذن الله لي بالشفاء‏..‏ وتمسكت برغبتها هذه لسبب آخر اضافي هو ان فقدي الاحساس بالنصف السفلي من جسمي‏,‏ قد افقدني القدرة علي التحكم في الاخراج فرغبت أمي ألا يري مني زوجي الشاب ماقد اخجل أنا من أن يراه أو مايتناقض مع صورة العروس الجميلة التي تزوجها‏..‏ لكني رغم تقديري لدوافع أمي لم اشاركها رأيها هذا‏..‏ وصممت علي أن اغادر المستشفي الي بيتي وليس الي بيت أسرتي‏,‏ وقلت لأمي إنني أريد أن أري كيف سيقف زوجي الي جواري في هذه المحنة وهل سيقبلني في حالة المرض بنفس الروح التي يتقبلني بها في حالة الصحة أم لا‏..,‏ وهل سيصمد لهذه المحنة أم سيتخلي عني فيها؟
ورجعت الي بيتي الصغير عاجزة عن المشي‏,‏ ووجهي منتفخ وتنتشر فيه البثور من أثر الأدوية‏,‏ وتقبلت حياتي الجديدة بشجاعة ورضا وتمسكت بالأمل في الشفاء الكامل والعودة الي الحركة والنشاط ذات يوم قريب أو بعيد ووجدت في زوجي كل ماتمنيته فيه من حب ومساندة ورعاية وحنان‏.‏
واستكملت العلاج في البيت وبذل زوجي وأمي وأبي كل مافي وسعهم للعناية بي‏,‏ اما اختي التي تصغرني بست سنوات فقد راحت تحملني من مكان لمكان وكأنها اختي الكبري‏,‏ وأمي وليست الأخت الصغيرة‏..‏
وتقدمت الي الامتحان وأنا علي الكرسي المتحرك ونجحت فيه بحمد الله وتوفيقه‏..‏
ثم بدأت لأول مرة في المشي قليلا بمساعدة المشاية داخل البيت‏..,‏ وتزايد الأمل في الشفاء التام في نفوسنا وأشرقت البهجة علينا‏..‏ فاذا بي أصاب فجأة بمرض جلدي في كتفي راح يسبب لي آلاما رهيبة ضاعفت من معاناتي‏..‏ وتبين من الفحص انه مرض ينتج عن فيروس كامن في الجسم لكنه لاينشط إلا إذا ضعفت مناعة الجسم ويكو ظهوره علي شكل بقعة في الجلد يشعر الانسان فيها بشكشكة إبر حادة مؤلمة ولا تتوقف ولا علاج لها إلا بالمسكنات‏..‏ وتحملت هذه الآلام الرهيبة الجديدة واستعنت عليها بذكر الله‏..‏ والاستنجاد به ان يخففها عني ويشفيني من كل امراضي‏..‏
ومضت الأيام وأنا أعاني من آلام وأحزان لاقبل لي بها‏..‏ وراح من حولي يتساءلون‏:‏ لماذا يحدث لي كل ذلك‏..‏ ولجأوا الي المشايخ يستفسرونهم في ذلك‏,‏ وفي اليوم الذي اشتد بي فيه الحزن علي نفسي اراد الله سبحانه وتعالي ان يذكرني بنعمته علي ويخفف عني احزاني‏..‏ فإذا بي اكتشف انني حامل‏!‏ وإذا بمشاعري تتضارب بين السعادة بهذا الحمل والقلق بشأنه‏,‏ وكان مبرر القلق عندي هو انني فاقدة الاحساس بنصفي الأسفل جزئيا‏..‏ فكيف سأشعر بما تشعر به الحامل خلال شهور الحمل‏..,‏ وهل ستؤثر اطنان الأدوية التي تناولتها علي الجنين‏..,‏ وهل سيجيء الي الحياة صحيحا معافي أم متأثرا بسموم الدواء؟
أما والدتي فلقد اشتد قلقها علي حين علمت بنبأ الحمل‏..‏ لانه يتطلب التوقف عن تناول المسكنات القوية التي تهديء من آلام المرض الجلدي‏,‏ فكيف سأتحمل هذه الآلام إذا توقفت عن المسكنات‏..‏؟‏,‏ وبعد تفكير قصير نصحتني أمي بالتخلص من الجنين لأني لن استطيع احتمال آلام المرض الجلدي ومتاعب الحمل مع أثار الأدوية التي تناولتها‏..‏ ولأن الحمل سيؤثر علي صحتي التي تعاني من أثار الأدوية‏..‏ كما أن هناك شكا قويا في قدرتي علي الولادة الطبيعية واحتمال آلامها‏..‏ لكني تمسكت بجنيني باصرار‏,‏ وقلت لأمي إنني سأتوقف عن تناول المسكنات‏,‏ وسوف اتحمل آلام المرض الجلدي‏,‏ ومتاعب الحمل صابرة‏,‏ ولن أفرط في جنيني مهما كان العناء‏..‏
وتوقفت بالفعل عن المسكنات‏,‏ وعانيت الآلام الجلدية المبرحة‏..‏ حتي كانت أمي تمزق من فوق كتفي بلوزاتي وفساتيني لأنني لااطيق ملمس أي شيء فوق البقعة الجلدية المصابة‏..,‏ ولمس زوجي معاناتي وآلامي فشعر بالندم والمسئولية عن هذا الحمل الذي ضاعف من عنائي‏..‏
فهل تعرف ماذا فعل بي هذا الحمل الذي توجست منه أمي وابي وزوجي اشفاقا علي من متاعبه‏,‏ ومما قد يحمله لي المستقبل من جنين ضعيف أو مشوه بسبب الأدوية؟
لقد تحسنت قدرتي علي الحركة والمشي خلال شهور الحمل بدرجة ملحوظة‏..‏ ورجعنا الي الأطباء في ذلك فقالوا لناإن سبب هذا التحسن هو الحمل لأنه يساعد علي الشفاء من فيروس النخاع الشوكي حتي إن الأطباء في أمريكا يعالجونه بدواء مستخلص من مشيمة الجنين‏.‏
ولقد غرس الله في أحشائي هذا الدواء الطبيعي من حيث لا أدري ولا أحتسب فتحسنت قدرتي علي المشي والحركة‏,‏ بدرجة كبيرة ولم يبق إلا المثابرة علي العلاج الطبيعي ليطرد التحسن والتقدم‏!‏
ثم توالت علي بعد ذلك جوائز السماء للصابرين التي تتحدث عنها كثيرا‏..‏ فخفت آلام المرض الجلدي تدريجيا‏,‏ وشعرت بمقدمات الحمل كأي أنثي عادية‏,‏ وتمت الولادة بطريقة طبيعية تماما‏,‏ كما تلد أي امرأة أخري ورزقني الله بطفلة صحيحة الجسم وطبيعية جميلة وكثيرة الحركة‏,‏ وامضيت ثلاثة أشهر في بيت اسرتي اعانتني خلالها أمي في رعاية طفلتي ثم رجعت الي بيتي فوجدت في زوجي خير معين لي علي العناية بها‏,‏ واستذكرت خلال ذلك دروس العام الأخير لي بالكلية‏,‏ وتقدمت للامتحان علي كرسي متحرك ايضا‏,‏ وحصلت علي شهادتي بتقدير جيد‏,‏ فأي نعم وأي جوائز أكبر مما غمرني به الله من فضله ونعمه؟
لقد مر عامان الآن ياسيدي علي بداية هذه المحنة‏..‏ ومازلت اواصل العلاج الطبيعي ولقد أصبحت بفضله أحسن حالا‏..‏ فاذا تكاسلت عنه يوما واحدا ذكرتني أمي بما قاله الأطباء من ان ماحدث لي يعد معجزة الهية بكل معني الكلمة لأن من تعرضوا لما تعرضت له كان أقصي أملهم هو ان يستطيعوا المشي ذات يوم بمساعدة العكاز أما أنا فامشي بصورة جيدة الي حد ما‏,‏ وقابلة للتحسن أكثر كلما ثابرت علي العلاج الطبيعي وصبرت عليه‏..‏ وأنا اثابر عليه بالفعل ولا أكل منه‏..‏ إن لم يكن من اجلي فمن اجل طفلتي التي بلغت شهرها الثامن عشر منذ أيام‏..‏ ومن أجل من يحبونني ويرجون لي الشفاء التام من افراد أسرتي كلهم‏..‏
أما زوجي فأي كلمات استطيع ان أقولها لكي افيه حقه من الشكر والثناء‏..‏ لقد اجتزنا المحنة معا‏,‏ كما وعدني في اليوم الأول من المرض‏,‏ ولم يتخل عني لحظة واحدة خلالها‏..‏ ولم تتغير مشاعره نحوي وهو يراني في حال تتناقض مع صورة العروس الشابة في مخيلته‏,‏ ولم يأنف من مساعدتي فيما قد يأنف البعض منه أو يخجلون‏,‏ فماذا أقول له وعنه‏..‏ وماذا أقول عن أبي وأمي واخوتي وكل احبائي‏,‏ سوي ان أدعو الله لهم جميعا أن يمتعهم بصحتهم جميعا ويمن عليهم بالسعادة وكل جوائز السماء‏..‏
إنني وان كنت لم أبلغ بعد مرحلة الشفاء التام إلا انني علي يقين من ان الله سبحانه وتعالي سينعم علي به مهما طال الانتظار كما انعم علي من قبل بالنجاة من مضاعفات المرض‏..‏ وباستعادة القدرة نسبيا علي المشي وكما انعم علي بطفلتي وبحب زوجي وأمي وأبي واخوتي واحبائي‏..‏ ولقد كتبت لك رسالتي هذه لاسدد بعض ديني لهم جميعا‏.‏ ولأرجو كل من يواجه مثل هذه المحنة المرضية ان يتقبل اقداره بصبر ورضا ويتمسك بالأمل في الله سبحانه وتعالي‏..‏ ان يهبه الشفاء وينعم عليه باستعادة الصحة‏..,‏ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته‏.‏

‏««‏ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏»»‏
محن الحياة تنضج الانسان علي نار الألم وتكسبه من الحكمة والفهم الصحيح للحياة مالم تكن تسمح له به سنه‏..‏ لو كانت رحلته في الحياة قد مضت ناعمة وخالية من كل اختبار‏..‏ فالألم هو خير معلم للانسان حقا ونحن نتعلم من احزاننا وهمومنا مالاتستطيع الحياة اللاهية ان تعلمنا إياه‏..‏ ولو لم يكن الأمر كذلك فكيف كان لفتاة صغيرة السن مثلك عاشت حياة هانئة وتوجت قصة حبها الوحيدة بالزواج في سن الحادية والعشرين‏,‏ ان تكتسب هذه الحكمة التي تنضح بها سطور رسالتك؟
لقد أضافت هذه المحنة القاسية التي اختبرتك بها الاقدار الي عمرك عمرا آخر بكل دروسه وتجاربه‏..‏ فعسي ان يكون نصيبك من السعادة مضاعفا أيضا ياابنتي‏.‏
غير انني أتصور أن خبرة الألم التي انضجتك في سن مبكرة لم تكن وحدها هي كل زادك الذي اعانك علي الصمود لهذه المحنة الطارئة‏..‏ وانما يخيل الي أيضا انه قد اعانك عليه امران‏,‏ بعد ايمانك العميق بربك وثقتك المطلقة في رحمته بك‏,‏ الأول هو قوة ارادتك وصلابتك النفسية بالرغم من ان حياتك السابقة لهذه المحنة لم تختبر هذه الصلابة من قبل‏,‏ ولم تكشف عنها‏.‏ والثاني هو انك حين داهمتك هذه المحنة لم يكن رصيدك من الحب والسعادة خاليا‏,‏ فاعانك هذا الرصيد الثمين علي مواجهة المحنة والصمود لها‏.‏
فأما انك انسانة صلبة وقوية الارادة بالرغم من سنك الصغيرة‏..‏ فلقد تمثل ذلك في عدة مواقف تؤكد كلها هذه الحقيقة‏,‏ فلقد تمسكت باداء امتحان السنة الثالثة بكليتك وانت في قمة المحنة المرضية‏..‏ ولم تستسلمي للرثاء لنفسك ولم تستجيبي لاشفاق أبويك عليك من تحمل هذا العناء الاضافي‏,‏ فكان لك ماأردت واجتزت الامتحان بنجاح‏,‏ وساهم ذلك بقدر مافي تحسين حالتك النفسية‏.‏
وتمسكت بالخروج من المستشفي الي عشك الصغير وليس الي بيت اسرتك وفضلت ان يعيش معك زوجك الوجه الآخر للحياة لكي يؤكد كل منكما للآخر بالتجربة العملية وليس بالكلام الوردي انه قد اختار شريك حياته بحق للأفضل والأسوأ علي حد التعبير الذي يردده الزوجان في بعض الكنائس الغربية‏,‏ وفي الصحة والمرض‏..‏ وفي السراء والضراء‏..‏ وليس في أوقات الهناء وحدها فاذا ماداهمت احدهما محن الحياة تحول عنه‏,‏ أو أسرع بالفرار منه‏.‏
فكان لك ماأدت أيضا وكشفت لك المحنة عن معدن زوجك الأصيل وعمق ارتباطه بك‏..‏ وايمانه معك بأن الحياة الزوجية ليست صحبة لاهية في اوقات السعادة وحدها‏,‏ وانما شراكة حقيقية في كل امور الحياة بخيرها وشرها‏.‏
وتمسكت كذلك بالاحتفاظ بجنينك في وجه اشفاق الجميع عليك من متاعبه وهواجسهم المشروعة من مخاطره عليك‏..‏ وأولها معاناتك لآلام المرض الجلدي الرهيبة بغير الاستعانة عليها بالمسكنات‏..‏ وآخرها متاعب الحمل نفسه‏..‏ ومخاطر الولادة في ظروفك الصحية المؤلمة‏..‏ وهواجسهم الخوف من ان يجئ طفلك للحياة عليلا أو مشوها من أثر الأدوية القاتلة التي تجرعتها‏.‏
فكان لك ماأردت كذلك واثبتت التجربة من جديد أن مايختاره لنا الله سبحانه وتعالي أفضل كثيرا من اختيارنا نحن البشر لانفسنا‏,‏ فكان حملك الذي تخوف منه الجميع‏,‏ نعمة عليك من حيث لايحتسب احد‏,‏ وعلاجا الهيا لدائك العضال‏,‏ وخيرا سماويا لك من كل الجوانب فمضت شهور الحمل عادية‏..‏ وتمت الولادة بطريقة طبيعية‏..‏ وانعم عليك ربك بأكبر مانلت من جوائز جزاء وفاقا لحسن ظنك به وصدق ايمانك به‏..‏ وصبرك علي قضائه‏..‏ فجاءت طفلتك الجميلةصحيحة معافاة لتمسح كل الأحزان‏..,‏ ولتذكرنا إذا كنا قد نسينا بان قضاء الله عدل‏,‏ وحكمة نافذ‏,‏ صبر المرء أم جزع‏,‏ غير انه مع الصبر الأجر‏,‏ ومع الجزع الوزر‏.‏
وأنت بفضل ربك عليك لم تجزعي ولم تهني ولم تفقدي ايمانك بربك فكان وعد الله لك حقا‏..‏ وكان فضله عليك عظيما‏.‏
واما ان رصيد الحب والسعادة في حياتك قد اعانك مع ايمانك بربك وحسن ظنك به علي الصمود للمحنة‏..‏ فلقد ثبت علميا ان نسبة شفاء الاشخاص الذين يؤمنون بربهم من امراضهم وصمودهم للمرض بقوة الايمان والأمل في رحملة الله‏..‏ أكبر من نسبته بين هؤلاء الذين لا تعمر قلوبهم بالايمان‏..‏ ولا يمتثلون لقضاء الله ولا يتمسكون بالأمل في رحمته‏,‏ كما ثبت أيضا أن الاشخاص الذين يواجهون محنة المرض العضال ومن ورائهم رصيد كاف من الحب الصادق والسعادة‏,‏ يستمدون من هذا الرصيد مايدفعهم للتمسك بالحياة والأمل في الشفاء‏..‏ ويخفف عنهم ماينعمون به من حب صادق وسعادة حقيقية في حياتهم مايلاقون من عناء المرض‏,‏ فتزداد قدرتهم علي المقاومة‏..‏ والصمود‏..,‏ وان كان هناك من يستحقون الرثاءلهم بحق فهم هؤلاء الذين تقسو عليهم الحياة باختباراتها ومحنها‏,‏ وليس في رصيدهم من الحب والسعادة مايسحبون منه ليتسلحوا به في مقاومة محنهم واختباراتهم‏,‏ فكأنما يواجهون محن الحياة بالسحب علي المكشوف‏,‏ من رصيد لم يعمر بالسعادة ولم يعرف الحب‏..‏ وهؤلاء هم من لايجدون للأسف من يخفف عنهم آلامهم أو يأسو جراحهم أو يمدهم بالدعم النفسي الذي يعينهم علي اجتياز المحن والصمود للاختبارات‏.‏
ولقد كان من رفق الاقدار بك ان واجهت هذه المحنة ورصيدك عامر بالحب والسعادة‏,‏ اعانك شريك حياتك وأبواك واخوتك علي الصمود لها واجتيازها بسلام والحمد لله‏..‏
فعسي أن يتم ربك نعمته عليك‏..‏ ويعيد اليك كامل قدرتك علي المشي والحركة‏,‏ لتواصلي رحلة الحياة والسعادة مع شريك حياتك وطفلتك‏,‏ وأهلك الي غايتها المرجوة‏..‏ وعسي ان تصبح قصة هذه المحنة المؤلمة ذات يوم قريب مجرد ذكري لمحنة مرضية ألمت بك وحينئذ تروينها في لابنائك واحفادك وترجين لهم حياة حافلة بالهناء والسعادة كتلك التي أغدقت بها عليك الاقدار قبل وبعد هذه المحنة الطارئة باذن الله‏.‏




إقرأ المزيد ليست هناك تعليقات:

الخطة المحكمة

الخطة المحكمة‏!‏


أنا سيدة في أواخر الثلاثينيات من عمري‏,‏ تزوجت منذ‏12‏ عاما من رجل فاضل‏,‏ وأنجبت منه ثلاثة أطفال‏,‏ وكان زوجي ومازال موظفا لايملك سوي مرتبه‏,‏ لكنه يعمل منذ زواجنا بعمل اضافي باحدي الشركات الخاصة لكي يلبي احتياجات الأسرة‏,‏ وكان دائما محبوبا من زملائه ومتدينا ويحفظ بعض أجزاء من القرآن الكريم ويفوز في المسابقات الدينية‏,‏ وعن طريق احدي هذه المسابقات أدي فريضة الحج‏.‏ ولقد مضت بنا الأيام بحلوها ومرها‏,‏ لكنني كنت دائما أشكو من قلة الدخل وكثرة الاحتياجات والحرمان من بعض الأشياء التي أتطلع إليها ولا تساعدني امكانياتنا للحصول عليها‏..‏ ثم تمكنت احدي صديقاتي من توفير فرصة عمل اضافي لي لمدة ثلاث ساعات في المساء باحدي الشركات‏,‏ وطلبت من زوجي الموافقة علي عملي بهذه الشركة لكي يسهم دخلي منها في تيسير الحياة علينا‏,‏ وبعد معاناة شديدة قبل زوجي مرغما أن أعمل بهذا العمل‏,‏ وكان أمله ألاأتحمل عناءه بعد فترة قصيرة فأتوقف عنه‏,‏ لكني جربت هذا العمل فوجدتني سعيدة به وبمرتبي منه‏,‏ ووجدت النقود تتوافر في يدي لشراء الأشياء التي لايستطيع زوجي أن يشتريها لي أو لأولادي‏,‏ خاصة انه قد رفض أن يأخذ مني قرشا واحدا من دخلي هذا‏..‏ وهكذا واصلت العمل المسائي في هذه الشركة فلم يمض وقت آخر حتي تعرفت علي رجل متزوج وله أبناء ويشغل مركزا مرموقا ولا حساب عنده للمال توطدت علاقتي به تدريجيا وغمرني بالهدايا والملابس الغالية وبكل ما أحتاج إليه أو أفكر فيه بغير أن أطلبه منه‏..‏ وبدأت أنا للأسف مسلسل الكذب والخداع مع زوجي‏,‏ وقد بدأ هذا المسلسل باختلاق الأكاذيب له عن مصدر هذه الأشياء الغالية التي ظهرت في حياتي فجأة وهو بحسن نيته وطيبة قلبه يصدقني في كل ما أقوله له‏..‏ واستمرت العلاقة بيني وبين الرجل الآخر وازدادت عمقا حتي وجدته يطلب مني الطلاق من زوجي لكي يتزوجني‏,‏ وأقدم علي خطوة مهمة لتأكيد جديته في هذا الأمر‏,‏ فاشتري شقة صغيرة وكتب عقدها باسمه واسمي معا‏,‏ وانتظر ما أقوم أنا به من خطوات من جانبي بعد ذلك‏,‏ ولأن حياتي مع زوجي كانت تمضي سلسة وبلا خلافات حادة فلقد تحيرت كيف أبرر طلبي للطلاق منه وبعد تفكير قصير هداني عقلي المتمرد إلي خطة محكمة للحصول علي الطلاق منه بغير عناء طويل‏,‏ ونفذت أولي خطواتها بأن قمت بخلع الحجاب واشتريت كمية من أدوات الماكياج غالية الثمن‏,‏ وفوجيء بي زوجي ذات يوم أستعد للخروج من البيت للذهاب للعمل وأنا مكتملة الماكياج ومكشوفة الشعر فثار ثورة كبيرة‏,‏ وتجادلنا حول هذا الموضوع بشدة ثم تكرر الخلاف بيني وبينه بعد ذلك مرارا حول هذا التصرف‏,‏ وفي احدي منازعاتنا بسبب مطالبته لي بالعودة إلي الحجاب ورفضي لذلك‏,‏ فقد أعصابه وصفعني فهددته بتحرير محضر ضده في الشرطة‏,‏ فلم يتوقف عن ايذائي‏,‏ ونفذت تهديدي له بالفعل وحررت له محضرا بقسم الشرطة بالتعدي علي بالضرب‏,‏ وقدمت تقريرا طبيا باصابات وهمية ساعدني في الحصول عليه طبيب صديق للرجل الذي أرغب في الزواج منه‏,‏ ووضعت زوجي أمام خيارين لا ثالث لهما‏:‏ إما أن يطلقني في هدوء أو أواصل السير في الاجراءات القانونية ضده‏,‏ فأدرك زوجي في هذه اللحظة فقط أن تصميمي علي الطلاق نهائي فقام بجمع ملابسه وأشيائه من البيت ورجع إلي بيت والدته وطلقني وتركني أقيم في منزل الزوجية مع أطفالي‏,‏ والتزم بدفع نفقاتهم دون تقصير من جانبه في حدود امكانياته‏,‏ وحققت أنا الهدف الذي سعيت إليه وفزت بالطلاق وانتظرت انقضاء فترة العدة‏,‏ فما ان انتهت‏,‏ حتي كنت قد تزوجت حبيبي وأنا مازلت مقيمة في بيت الزوجية‏,‏ انتظارا للانتهاء من اعداد الشقة الجديدة‏,‏ وعلم مطلقي بزواجي فثارت ثورته وجاء إلي البيت غاضبا وطردني منه وأخذ أطفاله وأعطاني كل منقولاتي وأغلق الشقة ورجع للاقامة مع أطفالي في بيت والدته‏,‏ فقمت بنقل أثاثي إلي الشقة الجديدة وأشرفت علي تجهيزها إلي أن انتهت وبدأت حياتي مع الرجل الذي ارتبطت به وهجرت زوجي الأول وأطفالي من أجله‏.‏
وسعدت بأيامي معه وتحولت الشقة إلي عش غرام سعيد يجمع بيني وبينه‏,‏ لكني مع مرور الأيام وجدت نفسي طوال الوقت وحدي في هذه الشقة الجديدة‏,‏ حيث لايحضر زوجي إلي سوي لمدة ساعة واحدة فقط كل يوم ولا يقضي الليل معي ولا يستطيع ذلك لأن زوجته لاتعلم بزواجه مني‏...‏ ويوما بعد يوم طالت أوقات الوحدة‏,‏ وقلت أوقات الصحبة وبعد أن كان الكلام لاينقطع بيننا من لحظة اللقاء حتي لحظة الفراق‏,‏ ظهرت فترات الصمت بيننا‏,‏ وبعد أن كنا لانتبادل إلاأرق الكلمات ولا أسمع منه إلاأجمل الوعود‏,‏ ظهرت مفردات جديدة في حديثه معي لم يكن يستخدمها من قبل‏,‏ وأصبح يبخل علي في كل شيء فاذا عاتبته في ذلك قال لي بلا حياء ان أبناءه أحق بما ينفقه علي‏!!‏ كما تبخرت الوعود الجميلة التي وعدني بها وتسربت في الهواء‏,‏ واذا ذكرته بشيء منها لم يبد اهتماما‏..‏ واذا أثقلت عليه في اللوم والعتاب عيرني بأنني قد بعت زوجي وأطفالي من أجله‏,‏ واتهمني بأنني أنا التي جريت وراءه وطاردته وانني السبب في كل ماحدث وليس هو‏!‏
فاذا بي أشعر تدريجيا بكل أمراض الدنيا تحل في جسمي‏..‏ وأفقد الاستمتاع بكل شيء وأجد نفسي أستعيد صوت زوجي السابق الطيب وكلماته الهادئة لي ونصيحته الدائمة لي بأن أرضي بما بين يدي وألاأتطلع إلي ما في يد غيري‏,‏ ووجدتني أراجع حياتي السابقة معه وأتذكر مميزاته وسجاياه الطيبة التي تعاميت عنها‏,‏ وأتساءل ماذا فعلت بحياتي وزوجي وأبنائي؟‏..‏ لقد تصورت بعد زواجي ممن ارتبطت به أنه سوف تتحول حياتي كلها إلي حب ومرح ونزهات في أماكن فاخرة ومشتريات جميلة بعيدا عن وجع الدماغ ومسئولية الأطفال وعناء تدبير ميزانية البيت‏,‏ والاقتصاد من هذا البند لتوفير متطلبات ذاك البند‏..‏الخ‏.‏ فاذا بي أجد نفسي في النهاية حبيسة شقة خالية في انتظار زوج لايجيء إلاساعة واحدة واذا جاء فقد لاتخلو زيارته لي من المنغصات‏.‏ أما في الليل فانني لا أستطيع النوم إلابعد عذاب‏,‏ حتي انتهي بي الحال للتفكير في أحد أمرين‏:‏ الانتحار‏..‏ أو قتل الرجل الذي دمر حياتي وأضاع مني أولادي وزوجي الأول‏.‏ لقد سمح لي مطلقي بعد كل ماحدث برؤية أطفالي مرة كل أسبوع‏,‏ ولقد علمت منهم أن أباهم قد تقدم بعد الطلاق بعدة شهور إلي خطبة سيدة أرملة لديها طفلان وحالتها المادية ميسورة‏,‏ وكان الترتيب أن يقيما معا في شقتها‏,‏ واستمرت فترة الخطبة بضعة شهور‏,‏ كنت خلالها أتابع خطواتها عن طريق أطفالي باهتمام شديد‏,‏ إلي أن علمت منهم في زيارتهم الأسبوعية لي أنه قد أنهاها وقرر أن يتفرغ لتربية أبنائه مع أن عمره لايتجاوز الأربعين‏,‏ فاذا بهذا النبأ يبعث بصيص الأمل في نفسي واذا بي أجدني سعيدة به علي الرغم من كل شيء‏..‏ فهل لي أن أطمع في كرمك وأطلب منك أن توجه له رسالة لكي نرجع إلي سابق حياتنا معا‏,‏ وأضم أطفالي إلي حضني مرة أخري وكفاني ماعانيته بسبب مافعلته به ونفسي وأطفالي؟‏..‏ انني علي استعداد لأن أتنازل لزوجي الحالي عن كل شيء لكي يطلقني‏..‏ وهذا هو مايريده بالفعل مقابل الطلاق‏..‏ فهل توجه رسالة لزوجي لكي يصفح عما فات ويدعني أرجع إليه وأعيش كخادمة له ولأولادي عسي أن يغفر لي ربي مافعلت؟

‏ ‏««‏ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏»»‏
لو كانت أمور الحياة تجري بمثل هذه البساطة‏,‏ لما حق لأحد أن يشكو التعاسة‏..‏ لكنها لاتجري أبدا بهذه الخفة‏,‏ ولا يكفي أن يشعر المخطيء خطأ جسيما في حق الآخرين‏,‏ بأنه لم يجن مما سعي إليه ماكان يؤمله فيه من خير أو سعادة‏,‏ لكي يصفح عنه هؤلاء الآخرون الذين وطأهم بقدمه لكي يصل إلي ماكان يتصور فيه هناءه‏,‏ وانما يتطلب الأمر دائما لكي ننال عفو من أسأنا إليهم وظلمناهم في سعينا لأهدافنا ندما مريرا صادقا علي اساءتنا لهم‏..‏ وتكفيرا عادلا يتناسب مع حجم الجرم الذي ارتكبناه في حقهم‏,‏ ليكون ذلك قرباننا لدي من ظلمناهم ويرشحنا لصفحهم واستعادة ثقتهم وبدء صفحة جديدة معهم‏,‏ ومن قبيل هذا التكفير في مثل حالتك أن يشعر من أسأت إليه بأن ندمك علي مافعلت به صادق‏,‏ ونابع من أسباب تتعلق به هو وليس بأحد غيره‏,‏ كأن تكوني قد أعدت بالفعل تقويمك لسجله معك واعترفت له بكل ما أنكرته عليه من قبل من سجايا وفضائل وحسن معاشرة‏,‏ لا أن يكون الندم نابعا من أسباب ذاتية تتعلق بك أنت كخيبة أملك في السعادة التي توهمت أنك ستنهلين من فيضها في زواجك الثاني‏,‏ أو الاحباط الذي تشعرين به لتبخر الوعود المادية الجميلة في الهواء‏,‏ وفتور المشاعر في الزواج الثاني بعد الفوران العاطفي المألوف في حالة العشق التي بلامسئوليات مادية ولا حياة مشتركة ولا أعباء عائلية‏!..‏ كما أنه من قبيل هذا التكفير أيضا ومن أهمه‏,‏ أن يكون ندمك علي مافعلت بزوجك وأطفالك مرتبطا بتغير إيجابي في أفكارك وقيمك الأخلاقية ورؤيتك للحياة‏,‏ وليس مجرد رد فعل عابر لخيبة الأمل في أحلام الحب والزواج والحياة الملونة الخالية من عناء حسابات الدخل وميزانية الأسرة‏..‏ فهل تغيرت حقا نظرتك إلي الحياة والقيم الأخلاقية والعائلية‏..‏ والأولويات الجديرة بأن تضعها الأم الرءوم في بؤرة اهتماماتها‏,‏ كحق أطفالها عليها في أن تكفل لهم الحياة الأسرية المستقرة‏,‏ وألاتضحي بسعادتهم واستقرارهم من أجل الجري وراء أحلامها الشخصية؟
انك مازلت حتي الآن ياسيدتي في عصمة الرجل الذي هجرت زوجك السابق وهدمت استقرار أطفالك الثلاثة الذين لايتجاوز أكبرهم العاشرة من أجله‏,‏ وبالرغم من ذلك فأنت تتطلعين للعودة إلي زوجك الأول وتطلبين مني مناشدته أن يقبل بعودتك إليه‏,‏ ولعلك اذا رفض هذه العودة أو عجز عن الصفح عنك تواصلين حياتك الزوجية الحالية إلي ما لانهاية أو إلي أن تتوصلي مع زوجك الثاني إلي صيغة مادية لاتحرمك من كل ماتأملين فيه من تعويض مناسب لك ويقبل به شريكك‏.‏
فبماذا يمكن أن نصف مثل هذا السلوك؟
وهل يبشر ذلك باحتمال أن تكوني قد اكتسبت حقا فهما إيجابيا جديدا لقيمة أخلاقية أساسية هي الاخلاص للزوج الذي تحملين اسمه والالتزام به والأمانة معه وعدم التطلع إلي الارتباط بغيره إلابعد الانفصال عنه والتحرر من عهد الوفاء له‏..‏ انه لايبشر للأسف بذلك‏,‏ ولا يعني في الحقيقة سوي أنك مازلت تؤمنين بفضيلة التخطيط سرا لتحقيق أهدافك وترتيب الأمور تحت السطح الهاديء‏,‏ ثم مباغتة الطرف الآخر بالخطة المحكمة التي تضمن لك تحقيق الهدف بأقل الخسائر الممكنة‏!‏
وليس يعنيني في ذلك بالدرجة الأولي مايمثله هذا السعي من خيانة ولو بالفكر للزوج الحالي لأنه قد سبق له أن تآمر معك علي هدم حياة إنسان آخر وسلبه زوجته وتحطيم استقرار أطفاله وأسرته الصغيرة‏,‏ وانما يعنيني بالدرجة الأولي أن هذا السلوك انما يعكس نفس الفكر ونفس الأخلاقيات التي دبرت بها مؤامرة حصولك علي الطلاق من الزوج الأول والارتباط بالثاني‏.‏
وفي هذا المجال فلابد أن أقر لك بقصب السبق ودهاء التخطيط لاجبار زوجك علي طلاقك علي الرغم من خلو حياتكما معا من أسباب الشقاق والنزاع قبل تنفيذ هذه الخطة المحكمة‏,‏ فلقد عرفت كيف تستثيرينه بالفعل وكيف تستدرجينه إلي العنف معك وهو الذي لم يمد إليك يدا بسوء من قبل‏,‏ ثم عرفت كيف تضغطين عليه وتضيقين الحصار حوله بحيث لايجد من خيار أمامه إلاطلاقك أو التعرض للاجراءات القانونية التي لم تتورعي في سبيل احكام حلقتها حول عنقه عن الاستعانة عليها بتقرير مزيف أعده لك شريكك في المؤامرة‏,‏ فأي تدبير محكم‏,‏ وأي قهر لارادة إنسان لم يرتكب في حياته جرما سوي أن تطلع كغيره للحياة الآمنة المستقرة مع زوجته وأطفاله‏,‏ ولم يقصر في بذل كل ما في وسعه لاسعادهم وتدبير مطالب الحياة لهم؟‏..‏ وكيف سيكون تخطيطك المحكم للحصول علي الطلاق من زوجك الثاني هذه المرة ؟‏,‏ أم تري أن الأمر لايستحق التخطيط له في هذه الحالة‏,‏ لأن طرفي المغامرة قد اكتشفا ـكل من ناحيتهـ أن ماتطلع إليه وتوهم فيه السعادة وضحي من أجله باعتباراته‏..‏ لم يكن يستحق هذا العناء‏,‏ ولم يتكشف بعد قليل سوي عن الفتور والخيبة والفارق الذي لا مهرب منه بين دنيا الخيال الرومانسي والأحلام الجميلة الملونة‏,‏ ودنيا الواقع الجرداء‏..‏ أليس هذا هو ما حذر منه ساخرا الأديب الفرنسي بلزاك بعض العشاق من راغبي هدم أسرهم وتمزيق أطفالهم للارتباط بمن يرون فيهم حلم السعادة المفقود في حياتهم العائلية حين قال‏:‏ العشق أسهل ألف مرة من الزواج‏,‏ لأن العاشق ليس مطلوبا منه سوي أن يكون لطيفا من حين لآخر‏,‏ أما الزوجة أو الزوج فعلي كل منهما أن يكون لطيفا ليل نهار وهو ما لايستطيعه أحد‏!‏
أوليس هذا هو ماتكشف لك بعد انقشاع سحاب المغامرة وتبدد سراب الوعود الملونة بحياة مغرية تحقق لك كل تطلعاتك المادية‏..‏ أولايذكرنا ذلك بأنه حتي الكرم في العشق أسهل منه ألف مرة في الزواج‏,‏ لأنه كرم متقطع من حين لآخر‏,‏ كلطف العاشق ورقته وغزله وكلماته الشاعرية الجميلة التي لايستطيع هذا العاشق نفسه أن يواصلها ليل نهار في الزواج‏!..‏ انني أعترف لك ياسيدتي بأنني لست متعاطفا معك‏,‏ فاذا كان هناك من يستحق التعاطف معه في هذه القصة كلها فهم أطفالك الذين تخليت عنهم بأبخس ثمن‏,‏ وزوجك السابق‏,‏ وزوجة هذا العاشق الذي خاب أمله في مغامرة الحب والزواج‏,‏ وأولاده‏.‏ وبعض أسباب عدم تعاطفي معك ترجع إلي عدم احترامي لدوافعك لما فعلت وعدم تبرئتي لها من شبهات التطلع المادي والأمل في الحياة السهلة اللذيذة علي حساب سعادة أطفالك واستقرارهم‏,‏ اذ لو كان الحب القاهر وحده هو الذي دفعك للانفصال عن زوجك الأول والارتباط بالثاني‏,‏ فلربما تفهمت بعض أسبابك حتي ولو اختلفت معك حولها‏,‏ لأن زواجك بشريكك في مثل هذه الحالة يكون هو البديل المشروع للعلاقة غير المشروعة التي نشأت بينكما وأنت في عصمة زوجك الأول‏,‏ لكن الأمر ليس كذلك للأسف‏,‏ ولا هو مبرأ من شبهة المادية والأنانية والأثرة والتطلع لما يحقق للذات رغباتها علي حساب سعادة أقرب الأقربين‏,‏ ولو أدي ذلك إلي الحاق أكبر الضرر بهم‏.‏ وبعض الأنانيين المستسلمين نهائيا للأثرة وحب الذات لايتورعون كما يقول لنا المفكر الانجليزي فرانسيس بيكون عن احراق مدينة بأكملها لكي ينضجوا علي نارها بيضة يشتهونها‏!..‏وهم كما يقول أيضا أكثر الناس خداعا للآخرين‏,‏ لأن مطالب أنانيتهم ورغبتهم في الفوز بها تدفعهم لملاطفة الآخرين واسترضائهم حتي ليخال الآخرون لطفهم ذاك من سلامة طويتهم وطيبتهم ويمنحوهم ثقتهم‏,‏ ومن هذه الثقة ينالون مايسعون إليه ولو لم يكن عادلا ولا مشروعا‏!!‏ ولأن الأمر كذلك فإني أقول لك ان مثلك لن يتعذر عليها تحقيق ماترغبه ولن تعييها الحيل لنيله‏,‏ فأبلغي زوجك بما تريدين عن طريق أطفالك أو عن أي طريق آخر‏..‏ أما أنا فلن أكتب له شيئا‏..‏ والسلام‏..‏










إقرأ المزيد ليست هناك تعليقات:

الحديقة اليانعة

الحديقة اليانعة‏!‏





أكتب إليك بعد قراءتي رسالة جني الثمار للزوجة التي تشكو من زواج زوجها بامرأة أخري‏,‏ وتتساءل‏:‏ هل من العدل أن تتحمل هي سنوات الكفاح وصعوبات البداية حتي إذا حان وقت الحصاد فوجئت بأخري تريد أن تشاركها جني الثمار بغير تعب ولا كفاح مع الزوج‏..‏ ورسالتي هذه قد تكون جريئة بالنسبة للبعض لكني لا أشعر بأي حرج وأنا أكتبها لك فأنا يا سيدي زوجة ثانية لرجل له زوجة وأبناء وعشرة دائمة وممتدة بينه وبين زوجته لمدة‏17‏ عاما‏,‏ وأريد أن أوضح لبعض الزوجات مبررات مثل هذا الزوج الغالي للزواج علي زوجته وخيانة عشرة العمر كما تطلقون عليها‏,‏ فلقد جمعتني ظروف العمل منذ خمسة أعوام برجل وقور محترم واضطرتنا الضرورة للاحتكاك والوجودد في مكان واحد لمدة ست ساعات يوميا وكنت أنا مطلقة من رجل شاذ خانني مع كل امرأة قابلها في حياته بالرغم من جمالي الظاهر وأنوثتي الطاغية وثرائي‏,‏ وجاهدت معه الجهاد المقدس كما طالبت كاتبة الرسالة بأن تفعل مع زوجها‏,‏ لإنجاح الحياة الزوجية بيني وبينه‏,‏ لكني فشلت في تقويم المعوج وانتهي الأمر بيننا بالطلاق‏.‏ ودفعتني ظروفي كمطلقة في مجتمع عمل معظم أفراده من الرجال إلي التحفظ الشديد مع الجميع حتي لا يسيء أحد الظن بي أو تشعر أي زميلة لي بأني قد أخطف منها زوجها‏,‏ ثم اقترب مني هذا الزميل رويدا رويدا واخترق الحصار الذي فرضته علي نفسي وحاول التدخل لحل مشكلتي مع مطلقي‏,‏ لكنه فشل لإصراري علي حفظ كرامتي‏,‏ وتكرر الحديث بيننا عن مشكلتي ثم تدرج منها إلي مشكلته هو في حياته الشخصية ففوجئت به يشكو من تسلط زوجته الحاد علي حياته ومن قسوتها عليه إلي حد الإهانة وكيف أنه لم يسمع منها طوال عشرته لها كلمة ثناء واحدة علي أي شيء فعله من أجل البيت والأبناء‏,‏ وإنما دائما هناك الاستخفاف بكل محاولاته الجادة للارتقاء بمستوي الأسرة‏,‏ وبالرغم من أنها قد تزوجته وهي شبه معدمة ومن أسرة منهارة عائليا‏,‏ ولقد كان ينتظر ممن حرمت من الحنان الأسري أن يجد لديها شلالا من هذا الحنان‏,‏ ففوجيء بالعكس من ذلك تماما‏,‏ وأدرك بعد المحاولات العديدة‏,‏ أن الصبار الذي ينمو في أرض الشقاق لا ينبت عادة زهورا جميلة فساءت علاقتها بجيرانها بسبب حدة طبعها‏,‏ وساءت علاقتها بأهله وأصبحت حياته سلسلة متصلة من النكد والصراع الخفي حول من تكون له اليد العليا في البيت والأسرة‏,‏ وفي البداية رفضت بشدة عرض هذا الزميل للارتباط بي حتي لا أصيب أسرته في مقتل وأشتت شمل أبنائه مع أبيهم‏,‏ لكنه أقسم لي أنني سأكون الدافع له لتعويض أبنائه عن سنوات الجفاف التي عاشوها وأنني لن أكون عقبة في طريق تواصله مع أبنائه وتزوجنا لاحتياجي الشديد لحبه واحتياجه الشديد لي‏,‏ وحين شعرت زوجته الأولي بوجود امرأة أخري في حياته صارحها بأنه حقه الشرعي وحين سألته‏:‏ لماذا لم يناقشها في الأسباب التي تدفعه لهذا الزواج ويناقشها فيما ينكره عليها لإصلاح الأمور قبل تفاقمها؟ صارحها بأنه لم يكن يؤمن بجدوي المناقشة معها لأنها لم تكن لتعترف بأخطائها ولهذا لم يرد جرح مشاعرها‏.‏
ولقد دأبت بعض الزوجات علي أن يشكين من زواج أزواجهن بأخريات‏,‏ ومن خيانة شريك العمر للعشرة‏,‏ ومن غدره علي غير توقع‏,‏ كما دأبن علي تصوير هذه الزوجة الثانية كغازية لبيت كان مستقرا قبل ظهورها في حياة الزوج أو كراغبة في جني الثمار واقتناص زوج جاهز لم تشاركه صعوبات البداية وسنوات الكفاح‏.‏
وأريد أن أقول لك أن الزوجة الثانية كثيرا أيضا ما يكون لها دخل ثابت بل ومرتفع أحيانا لأنها قد تعبت هي الأخري في العمل والحياة وبدأت تجني ثمار كفاحها‏,‏ وأنا علي سبيل المثال ميسورة الحال ولم أضغط علي زوجي في النفقات والمصروفات بالرغم من أنه قادر ماليا ولم أحاول أبدا قطف ثمار حديقة زرعها غيري لأن لي حديقتي الغناء التي تكفيني والحمد لله ولا أحتاج من زوجي سوي الحب والاحتواء وإلي أن يكون ملكي المتوج علي عرش قلبي وحياتي فأنا أهوي الخضوع للرجل والسكن إلي جواره والنوم مطمئنة إلي جوار قلب ينبض بحبي كما أني لم أحاول مطلقا تخيير زوجي بيني وبين زوجته الأولي رغم ثقتي أنني لو فعلت فسوف يختارني لبعد الفارق بيني وبينها في كل شيء‏,‏ لكن ماذا سأجني من ذلك؟ إنني أفضل أن أكون زوجة تحافظ علي أسرة زوجها وتؤهله نفسيا للاعتناء بأبنائه من الأخري‏,‏ عن أن أنفرد به دونهم‏,‏ بل إنني أتقي الله في أبنائه هؤلاء وأسرته وأحث زوجي دائما علي العدل معهم‏,‏ ولقد مضت علي علاقتنا الآن خمس سنوات ومازلنا نجني ثمار حديقتنا اليانعة من الحب والتفاهم والاحتواء واتقاء الله في المعاملة‏,‏ وليس جني الثمار المادية الزائلة‏,‏ فلماذا تحكمون يا سيدي علي الزوجة الثانية بأنها دائما كأمنا الغولة‏..‏ ولماذا لا نري فيها أنها قد تكون في بعض الأحيان المنقذة لزوج محطم محبط نفسيا وعلي وشك الانهيار النفسي والأخلاقي بسبب قسوة حياته وخلوها من العطف والحب والمعاملة الطيبة؟

‏««‏ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏»»‏
كما قد تكون الزوجة الثانية هي المنقذة في بعض الأحيان لزوج محطم نفسيا وعلي وشك الانهيار النفسي والأخلاقي كما تقولين‏,‏ فإنها قد تكون أيضا مجرد فتاة صغيرة طموح تعزف عن الكفاح واحتمال صعوبات البداية‏,‏ مع شاب مقارب لها في العمر وتؤثر الطريق السهل واقتناص زوج متوسط العمر‏,‏ تجاوز صعوبات البداية وصنع نجاحه العملي وأغراه يسر الحياة بعد جفافها بالتطلع إلي المغامرة العاطفية‏..‏ وطلب المزيد من المتعة‏.‏
وقد تكون كما خشيت أنت علي نفسك من أن تظنك زميلاتك‏,‏ خاطفة أزواج أو سيدة واجهت محنة الفشل في زواجها‏,‏ فرغبت في ترميم حياتها علي حساب زوجة آمنة وأبناء مستقرين ولم تكن حياتهم لتتعرض لمثل هذه المحنة لو لم تظهر في حياة أبيهم هذه السيدة‏,‏ وكذلك قد تكون هذه الزوجة الثانية منصفة وترعي حدود ربها مع أسرة زوجها الأولي وطالبة للحب والأمان مع زوج تنام مطمئنة إلي جواره‏..‏ كما تقولين عن نفسك‏,‏ وقد تكون سيدة أنانية وراغبة في الاستحواذ علي زوجها دون زوجته الأولي وأبنائه‏..‏ وتضيق حتي الموت بكل محاولة من جانبه لرعايتهم وأداء واجباته العائلية تجاههم وقد تكون‏..‏ وقد تكون‏..‏ وقد تكون‏...‏ إلخ‏.‏
فمن طبائع البشر أن يختلفوا فيما بينهم وأن تختلف مثالياتهم ومبادئهم وسبل تعاملهم مع الحياة لكن السؤال الأهم هو‏:‏ هل المطلوب منا هو أن نشجع الفتيات الصغيرات علي رفض الحب والكفاح والحياة الطبيعية مع شركاء متقاربين معهم في العمر واختصار الطريق باقتناص أزواج الأخريات وتهديد أمانهن وسعادتهن واستقرار أبنائهن؟
أم هل المطلوب منا هو تشجيع كل من يشكو من بعض أوجه النقص أو الخلاف في حياته‏,‏ أن يسارع إلي التطلع حوله ويسعي للزواج من زميلة له في العمل أو أي مكان آخر يجني معها ثمار حديقتها اليانعة‏,‏ دون أية محاولة لإصلاح الأمور بينه وبين زوجته وبلا أي مغالبة للنفس ومحاولة ردها عن أهوائها ومن ميلها الغريزي لما يحقق لها الراحة والمتعة ولو شقي آخرون بذلك‏.‏
إن الإنسان يا سيدتي يميل بطبيعته إلي الرثاء لنفسه وإلي اعتبار نفسه شهيدا لظروفه وضحية للآخرين‏,‏ ولو اتبع كل إنسان هواه وبحث عما يؤمن له وحده المتعة والراحة والسعادة دون النظر لأي اعتبار آخر وبلا أي مغالبة للنفس ولا محاولة للإصلاح لإنهارت أسر عديدة وخلت من عمرها من الأزواج والزوجات ولدفع الأبناء الذين لم يستشرهم أحد في اختيار آبائهم وأمهاتهم الثمن الغالي من سعادتهم واستقرارهم‏.‏
كما أن الإنسان بارع في استخدام حيلة التبرير النفسية لإعفاء نفسه من كل لوم واصطناع الأسباب التي تجعل تصرفاته كلها منطقية وعادلة‏,‏ ولو راجعت ما نسبه زوجك إلي زوجته من عيوب وهو في مرحلة الإقتراب منك لوجدتها لا تكاد تتجاوز كثيرا مألوف الحياة بين أزواج وزوجات كثيرين ولا يفكرون ـ بالرغم من ذلك ـ في الزواج الثاني أو الانفصال‏,‏ لأن ما يجمع بينهم أكبر مما يفرق بينهم‏,‏ ناهيك عن أنك قد سمعت وجهة نظره وحده في هذه العيوب ولم تسمعي وجهة نظر الطرف الآخر فيها ولا في عيوب زوجها‏,‏ فإذا كنت لا أنكر عليك سعيك المشروع بعد الانفصال للزواج المستقر الآمن‏,‏ فلعلي أتساءل فقط‏:‏ ولماذا لا يبرر رجل كزوجك رغبته في الزواج منك بأنه قد وقع في هواك وتمكن منه حبك ويريد الارتباط بك بغير أن يقيم دعواه لتبرير هذا الزواج علي أساس من عيوب الزوجة الأولي ومعاناته معها؟
ولماذا لا تبررين أنت قبولك لهذا الزواج بحبك لهذا الرجل ووحدتك بعد الانفصال عن زوجك السابق وحاجتك إلي الحب والزواج والأمان بغير الإساءة إلي أية أطراف أخري؟
وماذا يمكن أن نسمي الزواج الذي يقدم عليه الزوج دون إخطار زوجته به وتخييرها بين القبول به أو الانفصال عنه سوي بأنه خيانة للعشرة ولعهد الوفاء الذي قطعه علي نفسه مع الزوجة الأولي‏,‏ وهو التعبير الذي تستائين منه في رسالتك؟
إني معك في أن الزوجة الثانية ليست دائما كأمنا الغولة أو دراكيولا مصاص الدماء وأنها قد تكون العاصم بالفعل للرجل من الخطيئة‏,‏ لكن قوانين الحياة الطبيعية بالرغم من ذلك هي الأولي دائما بالاتباع‏,‏ ولابد دائما من استنفاد كل وسائل الإصلاح وحماية الأسرة والأبناء من العواصف والزلازل قبل الإقدام علي مثل هذا الخيار والسلام‏.‏




إقرأ المزيد ليست هناك تعليقات: